الورقة الأخيرة؟ (قصة)
لِنقمْ إلى المسجد إذن.. قالها وهو ينهض في خِفةٍ ونشاط..
في الطريق المؤدية إلى المسجد كان لا يزال يضحك من أثر تلك الأحاديث التي توشحت بدعاباته مع إخوانه..
تأخر اثنان من الأصدقاء قليلاً.. همس أحدهما للآخر: إنه طيبُ القلب وَوَدود، فبادره صاحبه وهو يبتسم: وهو ابن (نكتة) أيضا!!
عند باب المسجد العتيق يحاول الأصدقاء إيقاف تيار الضحك الذي انتابهم بعد الحديث الماتع.. لم يصبر أحدٌ منهم بعد أن ردد: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام".. فقد كانوا يسترقون النظر بابتسامات خفيفة.. ثم يخفض كل منهم رأسه وهو يتمتم بالتسبيح... هناك عند السارية التي بجوار الباب تصافحت الابتسامات، ثم تساءلت:
- أين ذهب؟..
- ألا يزال يصلي؟...
ما كاد يصل إلى المجلس هناك عند السارية التي بجوار الباب حتى كان للحديث مذاق آخر مثل مذاق الجلوس في مسجدنا الذي لا يزال يحتفظ بشكله الأصيل الذي افتقدناه في أشياء كثيرة من حولنا.. سقفه الخشبي المرتفع، سواريه الكبيرة التي تجذرت في تلك الأرض، وارتفعت لتتصل بالسماء، نوافذه التي تقف شامخة على قاعدة الحائط حيث يضع المصلون أغراضهم.
كان الجميع قد توافقوا على الجلوس كل ظهيرة بعض الوقت لتدور بينهم الأحاديث كما تدور تلك الدُوامة من النسيم فيقلبون أوراق الحياة... وينتقلون من حديث إلى آخر ومن طرفة إلى أخرى.. يتضاحكون.. تزداد دوامة الهواء.. تأخذ معها ورقات التقويم الصغيرة التي وضعت على قاعدة الشرفة.. تطير الورقات وكأنها نشطت من عقال..
لاتزال ترفرف كما لاتزال الضحكات ترنو وتتابع..
لم تستطع مواصلة الطيران.. تهدأ.. تهبط.. تسقط واحدة تلو الأخرى لتضع نفسها في حضن من أحضان المسجد.. فتتابعها الأعين..
إنه لايزال يستدعي ما يثير إعجاب أصحابه بخفة ظله، يضحك معهم ويتابع؛ فلم تبق هناك إلاّ تلك الورقة الصغيرة التي أخذت تتباعد وتقترب.. ترتفع وتهبط.. ترقبها الأعين والضحكات..
تتماوج الورقة وتدور حول الأصحاب الذين لفت انتباههم ما تفعله.. ثم تقرر أن ترسوَ في حجره...
يتناولها فتتسمر عيناه بعينيها.. لقد توقف تماماً حتى إنه لا يشعر بأيٍّ من أصحابه وهم يحاولون إعادته إليهم:
- محمود..
- يا محمود..
تهدأ عاصفة الضحك، ثم تتوقف اضطراريًّا... فلا تكاد تسمع همساً.. لقد شدت عيون القوم بخيوط هلامية إلى تلك الدموع التي تنساب من عيني صاحبهم..
- ما هذا؟
- محمود..؟
لم يستطع أيٌّ منهم أن يفعل شيئًا وهم يرونه يهب مسرعاً وفي قبضته ورقة وعلى خديه دموع...
ثم يلتقط أحدهم كلماتٍ مخنوقةً يتمتمُ بها محمود وهو يجري:
نعم.. يُميتُ..
نعم.. يذهبُ..