أمريكا وأمن الخليج.. مخاطر ومحاذير
أحمد حسين الشيمي
مقالات للكاتب
تاريخ الإضافة:
01/07/2008 ميلادي - 28/6/1429 هجري
زيارة: 322
تحليلات سياسية
أمريكا وأمن الخليج .. مخاطر ومحاذير
شهدت السياساتُ الأمريكية في المنطقة الكثيرَ من التحولات؛ من التدخل غير المباشر إلى التدخل المباشر من خلال جمع قوات للتدخل السريع، والسعي للحصول على تسهيلات عسكرية في الدول الخليجية، ومن سياسة الاحتواء المزدوج -التي طبقها كلينتون ضد كل من العراق وإيران لإضعاف قدراتهما العسكرية- إلى إعلان بوش صراحةً عن سياسة الاستخدام المباشر للقوة العسكرية ضد الدول التي تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، مثلما يحدث الآن مع إيران بإثارة ملفها النووي، والتهديد بفرض عقوبات عليها، بسبب إصرارها على الاستمرار في عمليات تخصيب اليورانيوم، ثم التحول مرة أخرى لسياسة التدخل غير المباشر بعد إخفاق السياسات الأمريكية في حل الأزمات الكثيرة التي تعانيها المنطقة، خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والانحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل عقب مؤتمر أنابوليس، بطريقة دفعت الكثير من الدول العربية -خاصة الخليجية- أن تعلن -بصورة أو بأخرى- رفضَها للسياسات الأمريكية في المنطقة، بل ورفضها للخطط الأمريكية الخاصة بحشد الخليج خلف سياساتها الهادفة لعزل إيران تمهيدًا لتوجيه ضربة عسكرية خاطفة لمنشآتها النووية على غرار مع حدث مع العراق، على أساس أن ذلك لا يضر فقط بإيران، وإنما بأمن واستقرار الخليج، بعد أن بات واضحًا أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية هما الهدف الأساسي من وراء التحركات الأمريكية في المنطقة عمومًا وفي الخليج على وجه الخصوص.
تدفقات النفط:
هناك مجموعة من المرتكزات التي تقومُ عليها السياسةُ الأمريكية في المنطقة، تتمثل في الحفاظ على تدفقات النفط من منطقة الخليج، باعتبار أن ذلك من دعائم الاقتصاد الأمريكي، وذلك بالرغم من الأحاديث الأمريكية الكثيرة المتناثرة حول ضرورة الاستغناء عن نفط الخليج، واستبدال نفط مستخرج من أماكن أخرى به، مثل نفط بحر قزوين، والنفط المستخرج حديثًا من الكثير من الدول الإفريقية، بل والتأكيد على ضرورة إيجاد مصادر بديلة للطاقة، حتى لا تقع الولايات المتحدة في يوم من الأيام تحت رحمة دول منطقة الخليج، إلا أنه وبالرغم من كل ذلك، يمثل نفطُ الخليج خيارًا استراتيجيًّا للإدارة الأمريكية الحالية لا يمكن الاستغناء عنه.
وبالإضافة إلى النفط، تأتي مسألة الحفاظ على أمن إسرائيل، لتحتل أولوية ثانية -إن لم تكن أولى- في سياسة أميركا الخارجية، وقد وضح ذلك بعد مؤتمر أنابوليس الأخير، إثر رفض الإدارة الأمريكية تمريرَ قانون في مجلس الأمن يُلزم إسرائيل والدول العربية بضرورة الالتزام بما ورد في المؤتمر، وذلك بعد تصاعد حدة الانتقادات الإسرائيلية على ما تضمنه بيانُ المؤتمر من قرارات.
مصالح مهددة:
أما ثالث تلك المرتكزات فتتمثل في محاربة جماعات الإسلام السياسي المنتشرة في المنطقة، لما تمثله من تهديد خطير للمصالح الأمريكية في المنطقة، وذلك ما وضح بعد أن تراجعت الولايات المتحدة عن دعمها لعمليات التحول الديمقراطي التي شهدتها المنطقة آخرًا، بسبب صعود حركات الإسلام السياسي في الكثير من الدول العربية، خاصة في فلسطين، بعد سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على المجلس التشريعي الفلسطيني، وقيامها بتكوين الحكومة الفلسطينية، تلك الحركات التي تعلن صراحة رفضها للسياسات الأمريكية في المنطقة، بسبب تهديدها للأمن القومي العربي، ودعمها المطلق لإسرائيل.
وفي السياق نفسه تأتي الحرب الأمريكية على الإرهاب، إذ ترى الإدارة الأمريكية أن منطقة الشرق الأوسط -وفي القلب منها منطقة الخليج- هي منبت الإرهاب الذي صار يضرب أماكنَ كثيرةً من العالم، ومن ثم فهي تعمل -بالتعاون مع الكثير من الدول- على اجتثاث الحركات الإرهابية من منابعها، وما حربُها في أفغانستان إلا جزءٌ من تلك الحملة الأمريكية الشرسة على الإرهاب.
أسباب واهية:
وأخيرًا يمثل الأمن في الخليج ركيزة أساسية من مرتكزات السياسية الخارجية الأمريكية في المنطقة، وذلك لعدة أسباب؛ في مقدمتها: أن ذلك سبب الوجود الأمريكي في المنطقة، فكما هو معروف توجد الكثير من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ولضمان بقاء واستمرار تلك القواعد، لا بد أن تكون مسألة الحفاظ على أمن المنطقة في مقدمة السياسات الأمريكية الخارجية، وثانيها: الحفاظ على تدفق النفط الخليجي، إذ تخشى واشنطن من حدوث أية عمليات تؤدي إلى الإضرار بعملية التدفق النفطي الخليجي للخارج، باعتبار أن من شأن ذلك أن يقود لحرب عالمية رابعة، وذلك بعد أن وصل سعرُ برميل النفط لما يقرب من مائة وثلاثين دولارًا، وهذا أمر ربما لا تتحمله ميزانية الكثير من الدول بما في ذلك المتقدمة، وأخيرًا استخدام تلك الدول لتحقيق المصالح الأمريكية الخاصة بالسيطرة والهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، والمساعدة في تخفيف العبء عن كاهل الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بعمليات الإنفاق في العراق، وفي تحقيق الأمن هناك، فضلا عن مساعدتها في تضييق الخناق على إيران، ومنعها من مواصلة عمليات تخصيب اليورانيوم.
أيام عصيبة:
بالرغم من كون أمن الخليج من مرتكزات السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن التغييرات التي طرأت على السياسة الخارجية في المرحلة الأخيرة، والتي تمثل مرحلة النهاية بالنسبة للرئيس الأمريكي بوش وجماعة المحافظين الجدد، والتي تمثلت في الحرص على تهيئة الأوضاع الخاصة بدمج إسرائيل في المنطقة، استكمالا لمخطط الهيمنة المعروف بالشرق الأوسط الكبير، وتهيئة الأجواء والظروف لوجود أميركي طويل الأمد في العراق، والعمل على تجنب القوة الإيرانية المتصاعدة في المنطقة، من أجل أن تبقي لأميركا وإسرائيل اليدُ الطولى في المنطقة، كل ذلك من شأنه أن يمثل تهديدًا لأمن الخليج.
فمن ناحية يمثل الانحيازُ الأميركي لإسرائيل -الذي وصل لدرجة العمل الدؤوب من أجل دمجها في المنطقة- تهديدًا لأمن الدول العربية والخليجية، إذ من شأن ذلك أن يضع تلك الدول في موقف حرج؛ أما أولا: فلأن عليها أن تقبل التطبيع مع إسرائيل دون مقابل، وهو ما قد يجعلها تدخل في مواجهات غير محسوبة مع شعوبها، خاصة وأن تلك الشعوب ترفض بصورة قاطعة أي تعاون مع إسرائيل إلا بعد أن تعترف بالحقوق الفلسطينية في إقامة الدولة والحفاظ على المقدسات، وأما ثانيا: فلأن ذلك قد يدفع الكثير من العناصر المتطرفة أن تستخدم ذلك ذريعة لتهديد الكثير من المصالح العربية والغربية في منطقة الخليج، وأما ثالثا: فلأن من شأن ذلك أن يغري إسرائيل بالتعدي على الكثير من الدول العربية، مثلما فعلت أخيرًا مع لبنان وسوريا، دون خوف من انتقادات دولية أو إقليمية.
تهديدات خطيرة:
ومن ناحية أخرى تمثل المساعي الأمريكية الخاصة بفرض حصار على الأراضي الإيرانية تمهيدًا لتوجيه ضربة عسكرية خاطفة للمنشآت النووية الإيرانية بالاشتراك مع إسرائيل، تهديدًا خطيرًا لأمن الخليج، إذ من شأن ذلك أن يقضي على الأمن والاستقرار الذي تتمتع به المنطقة، خاصة وأن على تلك الدول أن تنضم لأحد الفريقين، فإما أن تدعم الرؤية الأمريكية الخاصة بخطورة امتلاك إيران السلاح النووي، لما لذلك من أضرار على مستقبل الأمن في المنطقة، وإما أن تدعم الحقوق الإيرانية المشروعة في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وإما أن تقف على الحياد بين الفريقين، وهذا أمر قد يبدو صعبًا للغاية، في ظل سياسة المحاور التي تنتهجها دول المنطقة في الوقت الحالي، وإن كان الواضح أن دول المنطقة تعمل جاهدة على منع توجيه ضربة عسكرية لإيران مهما كانت الأسباب، خاصة وأننا لا نزال نعاني آثار التدخل الأميركي غير المشروع في العراق.
ويعني ذلك أن المرحلة القادمة قد تشهد حالة من عدم الاستقرار في منطقة الخليج، إذ تبدو ملامح النهاية بالنسبة لمدة الرئيس بوش الثانية غير واضحة، وذلك يطرح الكثير من السيناريوهات فيما يتعلق بمستقبل الأمن في منطقة الخليج، فقد تبقى الأوضاع على ما هي عليه، وقد تلجأ الإدارة الأمريكية الحالية إلى ارتكاب حماقة تجاه إيران، ومن ثم فتح الطريق أمام صراع مفتوح مع إيران لا يُعرف على وجه الدقة النتائجٌ الكارثية التي قد تترتب عليه.
وفي الواقع يتطلب ذلك من جميع الدول جعل مصالحهم الخاصة فوق أية اعتبارات أخرى، خاصة بعد أن ثبت أن الإدارة الأمريكية الحالية لا يعنيها سوى مصالحها ومصالح حليفتها الاستراتيجية إسرائيل، تلك المصلحة التي تقتضي أن تعيش المنطقة باستمرار في حالة من عدم الاستقرار المتحكم فيه؛ لأنه لو تحقق الاستقرار لن تكون هناك حاجة إلى التدخل الأمريكي، أو طلب الحماية أو العون، وعليه تريد أمريكا إبقاء المنطقة في حالة من التأزم، لكي تجد سببا لوجودها فيها باستخدام ما يسمى بتجارة "التهديد والحماية".