التحقيقات الصحفية وفتوى العالم المجهول
تكلمتُ في المقال السابق عن الصحافي المتعاون، وأوضحنا ما هو الصحافي المتعاون في المؤسسات الإعلامية المحلية، وحينما مسكتْ أناملي ريشةَ قلمي لأكتب هذا المقال، تذكرت قصة عجوزين جلسا يتفرجان على ما يُطرح في الإعلام المرئي، وعلى ما يُسمَّى بالمصارعة الحرة، المهم أن إحدى العجوزين أخذتْها الرهبةُ، ودخل في قلبها الخوف من "التهويل" الذي شاهدتْه على شاشات التلفاز، وما تصنعها الفبركة الإعلامية، خافت واستأذنتْ صاحبتَها لتنام، وقالت للثانية باللهجة العامية: "إذا صحيت من بكره علمني وش صار"، ولما استيقظتْ في الصباح سألتْ جارتَها عن التهويل الإعلامي، فقالت لها صويحبتها بالعامية: "الله لا يوريك، لو ما قفلت التلفزون كان متذابحين".
إن اللَّعب على عقول الناس، والتهويل من الأمور، هي سياسة بعض الإعلاميين في هذه الأيام, وقد لفت انتباهي في أحد الصحف المحلية تحقيقاتٌ صحفية لبعض الإعلاميات، فتفاجأت من خلال استقرائي للتحقيقات أن الطرح الموضوعي بِوادٍ، والانتقائية السليمة بوادٍ، وما يستساغ بالشارع العام بوادٍ، وتلك الإعلامية بوادٍ آخر، ولست أدري كيف نجمع هذه الأمور؛ لكي نستفيد من تلك التحقيقات بالنسبة لنا كإعلاميين أو قُراء للصحف؟
يعتبر الإعلام اليوم من الوسائل التي تسهم في تعميق المفاهيم الصحيحة، والقيم السليمة في المجتمع، أو أنه بخلاف ذلك يسهم في الهدم وتفكيك المجتمع، أو وضع خلفيات عن وقائع وأحداث اجتماعية ويفخمها للقارئ، والتي لها انعكاسات نفسية وثقافية.
والإعلام اليوم يحتضن كوادرَ نسائيةً ركيكة في المهنية الإعلامية، ويتَّضح لك مما يطرح من التحقيقات - والتي هي بعنوان: "حقائب السيدات" - مليئة بالوسائل المجهولة للدفاع عن النفس، وكأن تلك الإعلامية تريد أن ترسم لنا غابًا بعيدًا كل البعد عن القيم الإنسانية، والرحمة الاجتماعية التي تتكلل نفوس أفراد المجتمع، وتأتي بقصص وأسماء مقنَّعة، ترويها بقناع الإبهام، وهذا هو ديدن الكثير من الإعلاميين، كثيراً ما يأتون بأسماء نكرة، وبعبارات هي من نسج الخيال.
إن هذا التهويل للمجتمع، والذي يصور للقارئ أننا في غاب، وأننا نعيش في قلق أمني - هو الفبركة الإعلامية، والتهويل الصحفي، ثم ما الفائدة المرجوة من هذا التحقيق؟ وهل هي ظاهرة تستوجب التحقيق الإعلامي والاستطلاع الجماهيري، أو أنه تمرير في عقول الناس لضرورة الأندية النسائية؟ فقد تطرق ذلك التحقيقُ لهذا الجانب.
ثم لا تعجبْ، فقد جاءت الأخرى بتحقيق بعنوان: "فتيات يخطبن شريك حياتهن"، وتأتي بمقدمة مثيرة، تجعل الفتاةَ في حالة تساؤلية: هل هذا هو الواقع الحقيقي؟
كما أنها جاءت بفتوى مِن شخص يُدعى أبو المعالي؛ لتدعم ذلك التحقيق بالفتوى الدينية، التي تشكل عقبة أمام التيارات اللبرالية، والتي تسعى لتغريب المجتمع، ووضعه في تبعية عمياء للمجتمعات غير المنضبطة.
إن هذا الموضوع له أبعاد، وهو تمريره في عقول الفتيات كوسيلة لربط علاقات موهومة بزواج، وإن هذه التصرفات التي تُطرح في الإعلام بأسلوب قصصي، ليستْ واقعَنا الاجتماعي؛ بل هي من نسج الخيال، وإن كان هنالك واقعة أو حدث، فالشاذ ليس له حكم، ثم إننا بهذا التحقيق لن نخرج عن الضوابط الشرعية، والأعراف التي تسهم في ضبط المجتمع، الذي لن يقتنع بما يطرح عن تلك الممارسات.
ثم تتواصل التحقيقات، والتي تتصدرها الكوادر النسائية، بتحقيق آخر بعنوان: "نساء يطلبن من أزواجهن مغادرة المنزل قبل وصول ضيفاتهن"، أصبح الإعلام - للأسف - يهتم بسفاسف الأمور، لست أدري ما سبب طرح مثل هذه التحقيقات؟!
وإن المتابع للتحقيقات الصحفية يجدها لم تخرج عن إطارها التقليدي، الذي يقوم على الاجتهاد الشخصي؛ لذا كانت لا تتلاءم مع الشارع العام، وليس فيها ما يشبع رغبات القارئ النفسية، والاجتماعية، والثقافية، ولن يستطيع الصحافي بهذه المهنية الركيكة أن يوصل القارئَ إلى حقيقة الوقائع، أو يجعله في حالة تيقن من وقوع مشكلة اجتماعية، يلزمه الحذر منها، والبحث عن حلولها.
التحقيقات الصحفية لها دور فاعل في الترويح عن النفس بالقراءة، كما أنها تهم عددًا كبيرًا من شرائح المجتمع، إذا كانت تتحلى بالتحرِّي الدقيق، والتحليل الواقعي لمشكلة اجتماعية، أو ظاهرة معينة، والبحث المتعمق في أسباب تلك المشكلات، وما هي مسبباتها؛ بهدف تحريك العقول؛ لتقدم وجهة نظر سليمة، أو حلولاً مناسبة؛ لكن للأسف أصبحت بعض الإدارات الإعلامية هدفُها هو سدُّ الفراغ الورقي بالسواد الحبري، بالتحقيقات والاستطلاعات الركيكة، وبمقالات الكُتاب الذين ليس لهم همٌّ إلا السعي وراء تغريب المجتمع، أو إعلان العداء على الرموز الدينية.
ولو تأملتَ مخرجاتِ تلك الإدارات للصحف، لوجدتَها مجردة من المهنية الإعلامية؛ حيث إنها لا تراعي مسألة التعددية والتنوع المجتمعي؛ لذا تجد الانحياز واللاحيادية في الطرح عبر المقالات في الزوايا الإعلامية، وممارسة إقصاء الآخر، والسعي لإسقاطه، وإسقاط ما يدعو إليه.
دومًا أكرِّر مقولتي للشارع العام: هل سيتعرض الإعلام المحلي للنقد؟