هل غضب الغرب على النظام في إيران؟
كلُّنا يتذكر ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية مع شاه إيران، عندما لم تعُد بحاجة إليه، وبالأحرى حينما بدأ يمُد يده لغيرها؛ شحن إعلامي مع تحريض الجماهير، انتهاءً بعصيان مدني، وفي الأخير إجبار الشاه على الخروج من إيران، وترك الزعامة لغيره.
وما أشبهَ الليلةَ بالبارحة! تنتهي الانتخابات الإيرانية بفوز نجاد الخادم المخلص للثورة كما وصفه المرشد الأعلى للثورة "خامنئي"؛ لتقوم قيامة الإيرانيين، وعلى رأسهم الإصلاحي موسوي الذي ما فتئ يكافح حتى كسب فئة الشباب من الشعب الإيراني، وتأتيه الضربة القاضية بأن نجاد يتقدم عليه حتى في مسقط رأسه، الأمر الذي لم يستسغه موسوي، فأيقن أن هناك لعبًا وتزويرًا في الانتخابات العامة، بطلها المرشد العام للثورة الخمينية المخملية في بدايتها، وهذا لفَت انتباهَ نجاد والملالي من قبله باحتمالية حدوث ما حدث عند قدوم الثورة؛ بناءً على رِدّة فعل الإصلاحيين، وعلى رأسهم موسوي، فقاموا برمي التهم جزافاً على كلِّ ما هو غربيٌّ، بدءًا ببريطانيا، وانتهاءً بالاتحاد الأوروبي، وهذا إجراء استباقي قامت به طهران لإيقاف أيِّ محاولة من شأنها زعزعةُ البلد؛ وهذا محتمل من الناحية الاستخباراتية.
عودًا على الانتخابات الإيرانية، التي لا أُحجِم عن وصفها بأحادية الجانب إذا ما سلمنا بأن هناك تزويرًا في الصناديق.
ماذا يريد خامنئي من الانتخاباتِ إذا كان هو من يحدِّد الرئيس؟
الشعب الإيراني يعيش تحت عدوانٍ على الحريات الشخصية، حيث سُلبت منهم حرية الاختيار، دعْك من هذا؛ فأغلبُ الشعوب تعاني من هذا الجانب، لكن انظر إلى الشعب تجدْه يعيش تحت مستوى الفقر المعيشي.
الحكومة الإيرانية منذُ قدوم الثورةِ لم تقدِّم الشيء الذي يشفعُ لها بالاستمرار في الرئاسة؛ لأنها ركَّزت على التسلُّح ومحاولة تصدير الثورة للخارج، وتركت المجتمع الداخليَّ ينهار على أكثرَ من اتجاه: اقتصاديًّا وحضاريًّا، وأخلاقيًّا وثقافيًّا، وغير ذلك من الاتجاهات.
ما يحصُل في إيران ما هو إلى نتيجة طبيعيَّة للإهمال الشديد الذي يعاني منه الشعب الإيرانيُّ، زدْ على ذلك التدخلاتِ الكثيرةَ لإيران في شؤون الآخرين - إما علانيةً أو سرًّا - نتَج عنه التيهُ الحاصل لمسيِّري الحكومة الإيرانيةِ، حتَّى منذُ قدوم الثورة.
قادم الأيام يُنْبئُ عن تغيُّرات سوف تحصُل على الصعيدِ السياسيِّ الإيراني، وإن كانت التغيرات طفيفةً، أو إن شئتَ فقلْ: تحتاج لزمن؛ لأن الشعوبَ لم يُعرف عنها أن بقِيت تحتَ الظلم وسكتت، ما بالُك إذا كان هذا الظلم يواجه الفطرة الإنسانيةَ؟!
الشارع الإيراني منقسمٌ على حكومته، ليس على إصلاحيين ومحافظين؛ بل إلى طوائفَ متعددة، لكن هذه الطوائف لا يوجد لديها من يمثِّلها سياسيًّا، وإن كانت تلك الطوائف كبيرةً، وأفرادُها كثيرين.
إن أنجح طريقةٍ لإسقاط السلطة في أيِّ بلد في العالم - كما هو معروف - اختراقُ الشعب ومحاولة استجلابِه ضدَّ حكومتِه؛ أعني بما أقوله: أن الحكومة الإيرانية ربَّما من السهولة إسقاطها، كما فعلت هي عندَ قدومها في بداية زمنِ الثورة؛ فهناك الإصلاحيُّون، معهم الأذربيجانيُّون، وعرب الأحواز، والبلوش، والتيار السني، والشيوعي، وغيرها من الطوائف والتيارات الدينية المتعددة، هناك تركيبة معقدة من السكان في إيران.
لذا؛ سيُجبر المرشدُ الأعلى للثورة خامنئي على التنازل عن الكثير مما صرَّح به في قادم الأيام، رفسنجاني يلعب دورًا كبيرًا في تراجع خامنئي عمَّا قام به في سابق الأيام؛ لذا أنا أعتقد أن المرشد الأعلى سيضعُف أمامَ الضغوط المتوالية، مع استصحاب دعمِ العالم الغربيِّ للإصلاحيين بعدما وصلوا لطريق شبهِ مسدود مع أحمدي نجاد، على الأقل في الظاهر.
إن الثورة الخمينية ترتكب أخطاءً جسيمة في تعاطيها مع الحياة بمختلف مجالاتها المتعددة؛ فهي تجمح طموحَ الشعب الإيراني في الانفتاح على شعوب العالم والعيش معها بسلام، وهي تعامل المجتمع الداخلي بانتقائية كبيرة جدًّا، وهي تكذب بشراهة على عقول المواطنين، وإن لم يعودوا يصدِّقونها؛ لكنَّهم مُجبَرون على ذلك، فالكذب أصبح ملازمًا لهذه الثورة، سواءٌ في التعاطي مع العالم الخارجي أم مع المجتمع الداخلي، وهذا ما يجعل الثقةَ تهتزُّ؛ بل تنتفي.
الثورة الخمينية لم تقدِّم للعالم الإسلامي أيَّ شيء يذكر، مع العلم أنها تدَّعي أنها ثورةٌ إسلامية، أضفْ إلى ذلك: ماذا فعلت مع إسرائيل؟!
عندي يقينٌ أن التغييراتِ التي ستطرأُ على الوضع في إيران ستكون مؤثرةً في قادم الأيام، ولا أشكُّ أن إيران سوف تُعيد النظر في كثير من السياسات المُتخَذة، إما على الصعيد الدولي، أو على الصعيد الداخلي، والأيام القادمة كفيلةٌ بإخبارنا ما ستؤول إليه الأمور.