البحث عن الوليد بن يوسف (قصة قصيرة)
مريم نجاح محمد عبدالرحمن
تاريخ الإضافة: 2/7/2009 ميلادي - 9/7/1430 هجري
زيارة: 1290
البحث عن الوليد بن يوسف (قصة قصيرة)
(مادة مرشحة للفوز في مسابقة كاتب الألوكة)
عثر أحدُهم على هذه القصة، و لا نعلم أين عُثر عليها، ولا يُعرف لأحداثها زمانٌ ولا مكان، أقول لكم هذا؛ حتى لا أُتَّهم بالتقصير والتفريط، وأنا الآن أقصُّها عليكم كما وصلتْ إليَّ.
مع ملاحظة: أن القصة قديمةٌ جدًّا، أوراقُها باليةٌ، صفراءُ اللون، باهتةُ السطور، بها ثقوب كثيرة، ضائعٌ منها بعضُ الأحرف والكلمات، وبها بياضٌ بالأصل لا نعلمه، وفيها:
جلس المحقِّق بمفرده صامتًا ساعةً أو يزيد، وبدا له في تلك الساعة من أول النهار أنَّ صمتَ المقابر أمتعُ إليه من صوت عقله، ومضى متثائبًا يقلِّب عينيه يُمنةً ويسرة في أوراقٍ لا نبضَ فيها، ولا يفهم منها شىء.
يحدِّث نفسه مرةً فمرة، وتضيع منه الأحرف والكلمات، ما الذي أصابني ويحدث لي؟ هل فقدتُ ثقتي بنفسي؟ وعجَزَ عقلي عن أن يمارس إدمان الفكر؟ هل فقدت كثيرًا من إيماني وتوكُّلي؟ يتساءل في حيرةٍ يخالطها ريبٌ مرير: ألم أعد ذكيًّا بما يكفي؟! إن ما يحدث لي خللٌ عظيم، لا شك في ذلك، فهل هذا صحيح؟ اللهم، لا!
ولكني أقول لكم: إن الأوراق التي أمامي الآن سطورٌ مبهمة غامضة، كقلوب النساء حين يشعرن أنهن يعبثْنَ وحدَهن؛ إنها ألغازٌ محيرة، تحتاج لهؤلاء الذين يمتهنون فكَّ الطلاسمِ والرموز، أو أولئك الذين يقفون تحت شبابيك روما في شهر طوبة، فهي كلعبة الشطرنج، تلك اللُّعبة التي يأكلني فيها صديقي أحمدُ، وأحمد هذا قد سافر إلى (...) منذ جمعة؛ ليقوم بمهمة لا نعلم عنها شيئًا.
الحق أقول لكم: يعجبني فيه اعتزازُه بنفسه، وشموخُه، وطموحُه، إنه لا يأكل رجيعَ أوروبا، ولا يشرب صديدَها، أما أنا فمجرد محققٍ أبله، أليس كذلك؟ بلى، فإن كان ذلك كذلك، فأنا لا أفهم شيئًا، الآن على الأقل، لا بأس، لا بأس.
أقول لكم: أمامي اسمٌ لشخصٍ مقتول، عُثر عليه بجوار المسجد، لا يُعرف له هُويَّة، ولا وطن، ولا عنوان، لا بطاقة معه، ولا يَعرفه أحد، وربما لا جثةَ أيضًا، ودارَتِ الفكرةُ برأسه الصغير المستدير، الجثة أتختفي هي الأخرى؟!
إن هذا محال، وأخذ يصيح كالديكة على ذاك الواقف بالخارج كالمسمار، فإذا به أمامه طائعًا أمرَه، ملبيًا مَطلبَه.
قال: اذهب حيث يحملك حذاؤك القديم إلى مستقَرِّ الجثة، وتأكَّد مِن وجودها.
لكني أقول لك: المَسْها بيدك، وانظُرها بعينك، ثم قال بصوت خفيض: على أية حال، لو كان هذا الخاطر جنونًا، فلن يكون كجنون رعايا بريطانيا حين نزلوا يورك الجديدة أول مرة.
أخذ المحقق يعبث بالأشياء التي أمامه في لا مبالاة، كأنه يُنفق وقتَه بلا ثمن، ككثيرٍ من الناس حين يطول بهم العبث؛ لكن شيئًا ما لفت نظره (لحظة صمتٍ، يغلفها ترقُّب، ويلفها كثيرُ تأمُّل)، إنها الرسائل الثلاث التي وجدت بِجَيب قميص القتيل.
كانت الرسالة الأولى تَحمِل توقيعَ رجل يُدعى موسى، والثانية: من زوجة موسى، وأما الثالثة، فلا أدري ما المقصود بها؟ أمَّا الذي كتبها، فهو الوليد نفسه، هذا ما أعتقده إلى الآن، لكن ذلك الذي يُدعى الوليد بن يوسف صاحب السمادير، تُرى من أي البلدان جاء؟ ألم يعجبه الموت إلا أن يكون هنا، فأين كان قبل أن تطأ قدمُه تلك الأرضَ؟
والحق أقول لكم: إن الأرض هنا "حدوتةٌ" ريفيةٌ جميلة، قرية قائمة بين البحر والشجر، هادئة، يداعبها القمرُ حين يرسل أشعتَه كاللُّجَيْن الصافي على مياه البحر، قرية تسمع تنفُّس الصباح، وتسابيح الفجر، تسمع فيها أنين الرجال في الليل كدويِّ النحل في خلاياه، وتلحظ ضوضاء الأطفال حين يُقام للصلاة في المساجد، وسرعة خُطى الشيوخ للصلاة، وصراخ الأمهات على الأولاد، وهتاف الأجداد على الأحفاد.
إن قريتي كفتاةٍ ناعمة جميلة، على صدرها يرقد عقدٌ مرصعٌ من لآلئ البحر الرائقة، شمسُها صافية دومًا، لا يحجبها ضبابٌ، ولا يمنع رؤيتَها غيومٌ، وبرغم كثرة السحب في سمائها، إلا أنها تشرق هنا كل صباح، تبتسم ابتسامةَ رضا برغم ما يحدث، فهي دائمًا هنا، لشروقها لونٌ غير الذي يعرفه البَشَر، وعبيرٌ خاص لا يحسه إلا قلبٌ يعي معنى الغربة، ولا يَعبأ بمكدرات الحياة، ولا يَعرف الحقد والغِلَّ.
فالقلب حين يتخلَّص من هذه التركة المثقلة بالآثام، يشعر بالحب يغمره، ومِن ثَم يتغير بريقُ العين، وآه حين يتغير بريق العين! من الممكن أن تُجرِّب ذلك، وأنا أحكي لك عن غروب الشمس، فلغروبها أيضًا حكايةٌ شعبية يتناقلها الناس من مكانٍ لآخرَ، يلهو بها الأطفال في الشوارع حين يلعبون بلا أحذية.
والناس هنا تفيض فيهم الطِّيبَة والودُّ، يملؤهم الحنانُ، ويغمرهم العطفُ، إنهم أُناسٌ كنسماتِ ليالي الصيف الناعمة، لهم سماتٌ هادئة، فوجوههم تلفحُها حياةُ الصبرِ، فترى فيها بريقًا عجيبًا يُزيِّنه وقارُ الرضا، وتُبصر عن قُربٍ سمرةَ الشيخوخة تحت العين، واستقامةَ العود، وعذوبةَ الابتسام، وهي أبدًا راضيةٌ عن نفسها وعن ربها.
لم أجد أحدًا هنا متأففًا ناقمًا، لا أُنكر وجودَ بعض الوجوه التي تُسيء إلينا، هي منَّا، ولكنها خبيثة، تتوارى خلف الأسوار، ووراء تلال الضباب، تمكُث في القبور الموحشة، بلا نور يؤنس وحشتَها، فلا يبقى لهم أثر.
ومنذ سنوات كثيرة مضتْ لم يعكر صفوَ هذه القرية شيءٌ، اللهم إلا بعضَ حوادثَ تافهةٍ، ولم تَحدث هنا أيُّ جريمةِ قتلٍ تُذكَر؛ وبالتالي لم نعثر على قتيل، حتى إن الناس هنا نسيَتْ تلك المعانيَ من البغض والكراهية، ونسيتُ أنا أيضًا، فظللتُ بلا عملٍ برغم أني لست بلا وظيفة، فمَن ذلك الأبلهُ الذي لم يَجدْ سوى هذه الأرضِ الطيبة ليموت عليها، ويعكر صفو حياتي؟!
على أية حال، هنيئًا له تلك البقعة الطيبة التي مات عليها، هي وطنه، وقبره، وعنوانه، لقد مات في أرض الصمت، وأنا كمحقِّق مثالي أمثِّل القانون، لا يهمني أبدًا أن أعرف كيف عاش الوليد؛ بل يهمني أن أعرف كيف مات؟ هذا هو القانون.
والحق أقول لكم: إن عالم القانون عالمٌ آخرُ، فيه البشر بلا ثمن.
إن شيئًا ما يجول بخاطري، ويعربد بداخلي، يؤكد أن هنالك سرًّا مؤلمًا وموجعًا، ولكن ما هو؟ لا أدري، الطبيب يقول: إن الوليد مات مقتولاً، فمَن قتَلَه؟
خلف ذلك ترقد علامةُ استفهام ضخمة كرأس القتيل هذا، تُرى هل هي زوجته، أخوه، جاره، عشيقته، لعله غريم ما، أو صديق هائم في دروب الأرض، أو عدو ماكر لئيم، أو ربما كانوا أولاده؟
إنني أذكر - إن كان هناك شيء أذكره - أن أبشع جريمتين حدثتا هنا:
سرقةُ بقرة مع حمار، وكان اللص مغفلاً، أو هكذا ظننا، المثير في هذه السرقة أن السارق لما سُئل عن البقرة والحمار، أجاب: أن نيَّته كانت خيرًا، وقال: كنتُ أريد أن أزوجهما، وكان اللص من (...).
وكانت الأخرى: العثور على طفلٍ لقيط، وهي جريمة شنيعة، لا يملك فاعلُها وازعًا دينيًّا يردعه، ولا ضميرًا يؤنِّبه، تعرَّى من صفته الإنسانية.
الحق أقول لكم: إن هذا الأمر صار من الثوابت الاجتماعية التي يجب أن تمر علينا يومًا بعد يوم، فنكاد نعثر يوميًّا على أحدهم، فيا لبشاعةِ هذا الأمر! أن تُولَد فلا تعرف لك هوية، إنها قسوة البشر، فأيُّ حيف يلقاه الرضيعُ حين يبصر أُناسًا ليسوا له بأهل؟! وأيُّ عارٍ يلطخ ثوبَه أَلاَّ يجد مَن يقول له: مَن تكون؟!
الحق أقول لكم: إن الباحث عن الحقيقة فارسٌ ضلَّ طريقه في صحراء حضر موت؛ لذا فهو يحتاج وقتًا أطولَ كي يخرجَ إلى الطريق، إنني كمحقق مثالي لا أبحث عن الحقيقة في غلاف الصدف؛ لأني أعرف أن الحقيقة تكمن بداخله، أما لقيطُ قريتِنا الآن، فيحمل فوق ظهره أربعة عشر عامًا.
ومن أجل الحقيقة؛ فإن المحقق وقع مغشيًّا عليه، مريضًا، مهمومًا؛ بسبب ذلك الصداع المسمَّى بالوليد بن يوسف، وظل حبيسَ الدارِ جمعةً، وحين شعر أن الصداع قد غادر رأسَه، لم يكن عقله قد شُفي من ذلك الوليد بعدُ، وعندما عاد المحقق أدراجَه مرةً أخرى إلى المكتب، حاملاً ملفَّاتِه بين عينيه، كاد أن يسطر في ذيل الصحيفة: "قُيدَتِ القضيةُ ضد مجهول"، وكم من مجهولٍ يحيا بيننا!
وبدأ يكتب ذلك بالفعل، لكن شيئًا ما بداخله وخَزَه فتألَّم، ثم تذكَّر، إنها الرسائل الثلاث التي نَسِيَها في ظل الأزمة النفسية التي كان يعيشها، وحدَّثه الشيطان وأنساه شأنَها، فاعتقد أنها لن تفيده بشيء ذي قيمة؛ إذ هي مجرد كلمات في رسائل مبهمة، ولكنه حدَّث نفسه بهدوء ورويَّة قائلاً: لعلَّ القليلَ الذي في هذه الرسائلِ يتيح لي نفعًا كبيرًا؛ فإن جرعة ماء تنقذ امرءًا على شفا هَلَكة، فينجو من هول عظيم، وأنا كمحقق مثالي أحتاج إلى مثل هذه الجرعة.
وبرغم هذا النشاط الذهني الذي اعتراه، مدَّ يده في تراخٍ لا يَعرف له سببًا على المكتب، باحثًا عن الرسائل الثلاث، فوجدها بين حنايا درج مكتبه تسكن في ظلام، وتنام في صمت، وترقد في سكون، أخرجها وأخذ صوتُه يدندن بالكلمات المكتوبة.
كانت الرسالة الأولى إلى الوليد، والمرسِل صديقٌ له على ما يبدو، وكان يشكو من أمر مُرٍّ، فكتب يقول: "الواقع أَني إنسان ضائعٌ تمامًا، ومحطَّم كدميةٍ لطفلٍ عنيد، لم يَعُد لي فائدةٌ تُذكَر في هذه الحياة، فما الفائدة من رجلٍ لا يستطيع أن يحكم نفسه وبيته؟! ماذا فعلتُ حتى أرى ما رأيت؟!
فقد رأيتُها في وضعٍ تَخجل منه أيُّ امرأة شريفة، وقد همَّتْ بما همَّتْ به، بعدما ظنَّتْ أَني خرجتُ، ولم أكن قد فعلتُ بعدُ، ورأيتُ - ويا لبشاعة ما رأيت! - شِبهَ رجلٍ، غريبًا، متطفلاً، يرتدي فوق رأسه طاقيةً سوداءَ صغيرة جدًّا، كالحشرة العالقة بجسد أسد، أعرفه جيدًا.
كانت يداه تعبثان في أماكنَ محظورةٍ، برغم أن يديه قصيرتان، وكانت شفتاه الغليظتان تنامان فوق (...) باطمئنان، كان يعتصرها بين يديه، وكانت تنظر إليه بعشقٍ شديد، برغم كون وجهِه قبيحًا جدًّا.
الحق أقول لكم: إن وجهه قبيح جدًّا، تتصنَّع الهربَ، فيجثو فوق ركبتيه متذلِّلاً، يُقبِّل يدها اليسرى.
ولكني أقول لكم: إنها كانت صامتةً، واضعةً قدمًا فوق أخرى، نصف عارية، لم أُطق صبرًا.
والحق أقول لكم: إني لم أفعل شيئًا، وكنت أودُّ لو أمسكتُ بهذه الحشرة، ووضعتـها في سلة القمامة، أو أسفل حذائي الإيطالي.
ولكن مهلاً! فلا داعي لهذا الانزعاج؛ فأنا دائم السكوت على أفعالها، إنها تشرب حتى الثمالة، وترقص كالأفعى، وكثيرًا ما أكون خارج البيت؛ لأجمع لها الأموال، وكنت بالطبع خارج قلبها وعقلها كذلك، كانت تنفق ببزخٍ على أناقتها وسهراتها، وعلى عشيقها شبه الرجل، مرتدي الطاقية السوداء.
لقد تركتُ لها الشرفَ تعبث به كيفما شاءتْ، لكني كنت أثق بها، ولم يتجرَّأ خاطري يومًا على أن يظن أنها تفكِّر في خيانتي؛ لذا فقد انطلقتُ في الدنيا مطمئنًّا باحثًا عن المال، وأنا أعتقد أن خلف ظهري امرأةً طاهرة، ووثقتُ بها، لكني لم أثق بنفسي، كنت أعلم أنها من بيتٍ وضيع، إنها تذكِّرني الآن ببغايا "بيونس إيرس" العجائز.
الحق لم يكن عندها حياء، ولم أكن فارسًا يومًا ما، أشعر بالأسف والندم؛ لأني لم أهتدِ مثلكَ بعد، هكذا يا سيدي - بكل بساطة - كنت راعيًا للخنازير، ولم أكن راعيًا للإبل!".
إلى الوليد بن يوسف
(موسى)
هكذا ختم رسالتَه، ولم يَذكُر ذلك الأبله سوى موسى، لِمَ؟! لِمَ لمْ يذكر سوى موسى؟! يا لك من رجل صاحب سمادير! ألم تعرف ذلك الرجل أو شبه الرجل، العابث بصغيرتك العفيفة، الطاهرة، الساذجة؟ لماذا لم تذكر أنه السائق مثلاً، أو مدرس الموسيقا، أو لعله مدرب السباحة، نعم، مدرب السباحة، يا لها من مهنة جميلة! ذلك الذي يدرِّب النساء على السباحة، إن الأمر يحتاج مني بعضَ تفكير، فقد مللتُ بحر الجرائم، ومن بحر إلى بحر ثَم تغيير.
إن حال ذلك الزوج يذكِّرني ببعض حالي، ولكن الفارق بيننا شاسع جدًّا كما بين أول ليلة قمرية وليلة السادس عشر؛ فأنا لم أتزوج بعدُ، وربما لن أتزوج، ولكن حتمًا سأتزوج، فإن الزواج مصيبة جميلة لابد من الوقوع فيها، إنه الفخ الأنثوي الذي يقع فيه كل الرجال.
والحق أقول لكم: إن كل امرأة جميلة تظنُّ أن جميع الرجال رعايا في حديقة جمالها، إنه يذكِّرني بحالة الغيبوبة التي كنت أعيشها، لقد بحثتُ كثيرًا داخل نفسي عن نفسي، فما وجدتُ إلا الخواءَ؛ فحياتي كآثار حافرِ فرسٍ صغير في صحراءَ شاسعةٍ قاحلة، حاولتُ أن أكتب قصة حياتي في كلماتٍ قليلة "مأساة محقق مثالي"، عشرون عامًا من العمل والحب؛ بل عشرون سنة، وما زالت حبيبتي تُشبه قريتي! لكن أين حبيبتي؟! وأين الطريق إلى تلك القرية؟!
فبعدما رحلَتِ الشيماءُ إلى حياتها البرزخية، ضللتُ أنا طرق الحياة جميعًا، وسعيت وراء نقلي إلى هنا؛ كي أستعيد صفاء ذهني المشتَّت، فما نسيتُها، وما عاد إليَّ صفاء ذهني.
كان السيد/ حمدي إسماعيل "المحقق"، في منتصف العقد الرابع من عمره، متوسطَ القامة، ذا شخصية مهيبة، تصاحبها نظرات عيون ثاقبة نافذة، وحادة أحيانًا، ذا صدرٍ عريض متَّسِع، صاحب رياضة، يحرص على الصلاة في المسجد قدر المستطاع، كان ترتيبه الأول دائمًا بين زملائه، تم تعيينه كمحقق؛ نظرًا لذكائه وتفوُّقه، ما زال يتمتع بوسامةٍ ما، وبجمال حياة العزوبية، فهو يرى أن لكل وقتٍ في الحياة جمالَه الخاص.
لكن المأساة أننا لا نعرف كيف نستمتع بهذا الوقت؛ لأننا أحيانًا لا نشعر به، أو لعله يُسرق منا في زحمة الأفكار، إنه إحساس غامض نشعر به، ربما كان كالوهم، كالسراب، أو ربما كان حُلمًا في خيال رجل يقظان.
أفاق المحقق حمدي من همهمات فكره، وهواجس نفسه، فضغط بإبهامه على زرٍ أمامه؛ ليحضر الصول "سيد" حاملاً صينية.
والحق أقول لكم: إننا لا ندري أي مشروب هو؟ لأنه لا يشرب القهوة، هذا كل ما نعلمه، وضع الصول الصينية وانصرف، كأن أقدامَ النعامة تَحمِله، تناول المحقق المشروبَ ثم وضعه بهدوء؛ ليهتك ستر الكلمات في الخطاب الثاني الخاص بزوجة المدعو موسى، وكانت كلماته تشبه المذكرات العبثية، أو هو كذلك فعلاً.
الحق أقول لكم: إن هناك صنفًا من النسوة، لا يستطعن أن يَقُمن بالأعمال الشاقة؛ لأن أثقل أعمالهن اليومية أن يتثاءبْنَ مللاً، ويبحثن طوال الوقت عن كلابهن، ويكتبن بعض المذكرات.
وقد كتبتْ هذه تقول: "ما زال زوجي طائشًا يعشق الجنس الآخر، ولقد شاهدتُه مع تلك السكرتيرة الحسناء، لا أنكر أنها جميلة، ولكن هذا الجمال لا يعطيه الحقَّ في أفعاله الماجنة؛ فأنا أعطيه ببزخ ولا أبخل عليه، وأتركه يلهو بداخلي كما يشاء، فلا يتركني إلا وأنا (...) هامدة (...) حراكًا.
ولقد رأيتُه في مشهد حطَّم معه أنوثتي، كان مع زوجة صديقٍ له في عيد ميلادها العشرين.
والحق أقول لكم: إن زوجها يعلم ذلك! فلماذا لا أفعل مثلما يفعل؟ لقد قررتُ ذلك".
(مادلين)
هذا إذًا اسمها: مادلين، وكفى به نسبًا وصِهرًا، ليس اسمًا عربيًّا، لا يهم! وعند العشرين يقف عُمْر النساء، وعقولُهن أيضًا، ما لِهؤلاء القومِ الذين يكتبون الرسائل لا يَذكرون أسماءَ أحد من معارفهم؟! فمَن هي هذه السكرتيرة الهيفاء؟ وما اسم تلك الزوجة التي قبَّلها زوجك قبلةً بطول خط جرينتش؟!
أليس هذا استخفافًا؟!
بلى؛ لأن الحقيقة هي وجود جثة لرجلٍ مُبهَم.
ثم إن هذه المرأة، التي تدعى مادلين، لم تَذكر اسمَ ذلك الصديق (...) الذي يترك زوجتَه كمَنيحةٍ مُعارة لأصدقائه.
الحق أقول لكم: إن الخطأ خطؤك أيتها المادلين؛ لأنك تتركين زوجك يلتهمك بطريقة أهل بيزنطة!
لا شك أن سبب هذه الخيانة وأمثالها هو ذلك الاختلاط بين الذكور والنسوان، على أي حال هذه أفكار رجعية بالية! لن نصل إلى حل، فمَن هذه المادلين؟ يوجد في الدنيا ألف مادلين، منهن على الأقل ستمائة مادلين خائنة، ومنهن مائتان لم يتزوجْنَ بعدُ؛ لظروف ما، ومنهن مائة راقصة، ومنهن مائة طفلة!
والحق أقول لكم: إن خط تلك المرأة سيئ جدًّا، يدل على أنها لا تجيد اللغة العربية؛ لأنها صارت من الثوابت الاجتماعية القديمة!
ومضى المحقق حمدي في حيرته، وتساءل: ماذا عساي أن أرى في ذلك الخطاب الثالث؟ لغزًا جديدًا، أم مفتاحًا سحريًّا؟ كان الخطاب مكتوبًا بخط أشبه بنبش فراخ الحظيرة حين تتعارك، وكان صاحبُه مضطربًا جدًّا؛ لبعض أمور تشغله، هكذا ظننتُ.
كان صاحب الخطاب يقول: "الأمور تسير من سيِّئٍ إلى أسوءَ، النهرُ يوشك أن يجف، ودانيال يخطب في الجموع، الخونة على الأبواب، أجراس روما تزعجني بشدة، وما زال الكتاب في أيدي صبيان المدينة، الكلاب تشرب من البحيرة، الجبل على وشك الظهور، ماتتْ ضفادع اليونان، والثعالب خارج الجحور".
(.......)
نظر المحقق حمدي إلى الخطاب، تأمَّله طويلاً، ونبشه مرة أخرى، ونبشه أخرى، ثم قال: نعم إنها مأساة، يا ترى مَن يكون الرجل؛ حتى يهدِّد أو يحذِّر بهذه الطريقة؟ مِن الواضح أن الوليد هذا كان ثريًّا منعَّمًا؛ لأن ملابسه تنمُّ عن ذلك؛ فقد كان يرتدي قميصًا أبيضَ كأثواب العرب، في يده اليسرى خاتمٌ فضي، وساعة يد باهظة الثمن في يده اليمنى.
إن هؤلاء الشرذمة من الناس لهم أعداءٌ كُثُر، فمِن الجائز جدًّا أن يكون أحدهم قد قتَلَه، ربما، إن التقرير الذي أمامي يقول: إن الوليد في العقد الخامس من عمره، طويل القامة، أبيض البَشَرة، ينمُّ حالُه عن رفاهية في العيش، بصدره جرح قديم أثر (...)، لون عينيه بُني فاتح، ذو لحية كثَّة صفراء، في أعلى جبهته ترقد علامة سوداء متوسطة الحجم؛ نتيجة احتكاكها كثيرًا بالأرض.
الشيء المحيِّر أن هذا الخطاب الأخير، كان سيُكتب من نسختين، السبب غير واضح؛ لأن الخطاب بلا توقيع، فهناك إذًا سرٌّ مبهم، فإذا كان هذا الخطاب تهديدًا أو إنذارًا، فمَن هذا الذي يهدِّد؟ أو مَن هي تلك التي تهدِّد؟
من الواضح كذلك أن الرسالة لم يتمَّ إرسالُها إلى الجهة المعنية؛ لأن الرسالة وقعتْ في يد الوليد قبل أن يقوم المرسل بتبييض هذه المسودة، أو لعل الوليد هو الجهة المطلوب وصول الرسالة إليها، أو لعله صاحب الرسالة، وهو الذي كتبها بنفسه؛ وبناءً عليه؛ فإن القاتل كان يفتش عن هذه الرسالة، ولكن شيئًا ما حدث فجأة، فأصيب باضطرابٍ شديد، فلم يستطعْ أخْذها، مع أن الرسالة كانت نائمة في جيب قميص القتيل.
مرة أخرى يقتحم الصمتُ ذاتَ المحقق حمدي، ويموت الضجيج داخل صدره، وتنتشر الغربة في أرجاء نفسه.
أخذ يتأمَّل الخطابات قائلاً: مَن ذا الذي قال: إنه لا توجد جريمة قتل كاملة؟ إذًا فليأتِ ولينظر، ولينضح لنا من بئر عبقريته ما يفسِّر لنا هذه الألغازَ، التي قد يترتَّب عليها وجود جرائم أخرى، أليس كذلك؟!
الملاحظة الدقيقة في هذه الجريمة أن أحدًا لم يُبلغ عن غياب القتيل، وكأنه بلا هُوية، مقطوع لا شجرةَ له، ولا زرعَ، ولا ثمر، فأين زوجته؟ لِمَ لمْ تبلغ عن غيابه؟ وأين أبناؤه؟ وأين أصدقاؤه ومعارفه؟ وأين جيرانه؟ من الواضح أننا جميعًا نشبه ذلك الوليد، ضائعون، تائهون، نشعر أننا فقدنا شيئًا ما!
على أية حال، أقول لكم الصدق: أنا لم أرغب يومًا ما أن أكون ما أنا عليه الآن "محقق مثالي"، فهل كنت حقًّا أريد أن أصبح ما أنا عليه الآن؟ هل أحببتُ الحق؟ ومن ثَم أحببتُ العدل؟
لكن يبقى دائمًا أن كلاًّ منَّا لا بد أن يأخذ حقَّه من الدنيا، أنا مثلاً كمحقق مثالي لم أهتدِ يومًا لحُلمي الذي أردتُه لنفسي؛ لأن هناك عاداتٍ عائليةً ورغبةَ أبٍ تَحكمنا؛ لأنه هو الأب!
وهناك قيمٌ تحرسنا، لا أعتقد أنها جميعًا قيمٌ صالحة؛ فبعضها قد أفسَدَها بنو البشر، والبعض الآخر أفسَدَه القانونُ، فمَن منا أراد وأصبح كما أراد؟! لم أكُن أنا واحدًا منهم، وربما ذلك المدعو موسى ما أظنه يومًا أراد أن يتزوج امرأة؛ لتجعل منه راعيًا للخنازير، وطاعمًا للبقر، ولا أعتقد أنه حلم بذلك قط، وهو ما علم بخيانة زوجته إلا بعد أن قرأ رسائلها خلسةً دون عِلمها، وهي ما اقتنعتْ برجل غيره إلا ليصب فحولته، لا أكثر من ذلك ولا أقل، كانت تريد أن تشعر بوجود رجل آخر في حياتها؛ تماشيًا مع مناخ العصرنة؛ حتى لا تُعيَّر من قِبل صُويحباتها! كانت تريد أن تشعر بقوة جاذبية حذائها الطويل مع الجيب القصير، ربما أرادت، ربما كانت لا تريد.
ومن منا يستطيع أن يَحكم أن تلك السكرتيرة قد أُرغمت على ما فعلتْ؛ حتى خضعتْ لرغبه أسد جامح، لا يأكل إلا العذارى، أو لعلها خُدعت من ذئبٍ كبير، وربما كانت تحب ما هي عليه فعلاً؛ بناءً على استخدام شعار الحرية المهجنة؟! ومن منا بحث عن نفسه وعرف ما يريده بالضبط؟
أعتقد أن الوليد بن يوسف قد عرف تمامًا ماذا يريد؛ فالخطاب الثالث واضح تمامًا؛ بل ولعله الشخص الوحيد الذي عرف ما أراد أن يعرفه، خاصة بعد أن فشل الطبيب الشرعي في أن يحدد هل قُتل الوليد فعلاً أو لا؟ لقد أخطأ الطبيب هو الآخر؛ لعله لم يُرِدْ هو أيضًا أن يصبح طبيبًا، ربما أراد لنفسه شيئًا آخرَ، وأنا كمحقق مثالي لم أكن أريد موت حبيبتي، ولم تكن تريد هي الأخرى، كان الله يريد.
هنالك يدخل الصول سيد يجرُّ قدميه النحيلتين، ويقف كالمسمار كما يقول القانون، وتحشرج صوتُه، فأخذ يهمهم بصوت خفيض، وبأدب جم، وخوف وخجل.
والحق أقول لكم: إن الصول سيد لا يريد هذا الأدب، وهذا الخوف، ولا هذه الوقفة.
قال الصول: تمام يا فندم، لقد بحثنا عن الجثة، فلم نعثر لها على أثر، ولم نجد إلا هذه الرسالةَ، تناولها المحقق حمدي بشيء من اليأس والخمول، فإذا بها ما يلي: "أشكر لكم حرصَكم على جثة زوجي العزيز، وسأدفنها بمعرفتي".
ملحوظة: أخذنا الكتاب من أيدي الصبيان، والكلاب لم تَعُد تشرب من البحيرة، وماتت ضفادع اليونان، وقد تم أسر دانيال.
أخيرًا: "يزعجني جدًّا أنكم أهملتم الحفاظَ على مسدس زوجي".
زوجته المخلصة إلى الأبد/ إيمان
تبسَّم المحقق/ حمدي إسماعيل، وقال: لم يكن معه مسدس، أو لعله سُرق هو الآخر، هذه امرأة أخرى قد عرفتْ ماذا تريد، كانت تريد جثة الوليد بن يوسف، لكن هل حقًّا كانت تريدها؛ حفاظًا عليه؟ أو لتستولي عليه؟
على أية حال، نقدِّر لها أنها عرفتْ ماذا تريد، وفعلتْ ما أرادت، فكان لها ما أرادت، ولكن هل هي فعلاً مخلصة كما تزعم؟ مَن منا يستطيع أن يحكم على ذلك؟
هناك حقيقة أخرى أود أن أقولها: وهي أن الرسائل الثلاث كانت مبعثرة في الطريق، ولم تكن بجيب قميص القتيل، المهم أن الوليد قد عثرتْ عليه زوجتُه (وعثرت على نفسي حين عثرت عليه قتيلاً)، فهلاَّ قام يفضُّ عن نفسه أغلالَ صمته! لم يعد باستطاعتي الآن فعلُ شيءٍ آخرَ، لا بد لي أن أختم المحضر، وأن أدفن معه تلك الحكاية.
كتب على هامش المحضر ما يلي:
ملحوظة: لقد تزوجتْ مادلين بذلك العابث بها، وكان الوليد حقيقةً مؤلمة، وهم يريدون دفنه بجوار شجرة الكريسماس ذات الزينة الصاخبة، ولكنه يأبى! وتم القبض على السكرتيرة في وضع ما، وتزوجتْ إيمان من صديق الوليد، وعاد أحمدُ من هنالك منتصرًا، ورأينا موسى في المسجد.
الشيء الوحيد الذي ظنناه صحيحًا هو أن الرسالة الثالثة كتبها الوليد نفسه؛ لذا ردَّت إيمان بنفس المعاني.
والحق أقول لكم: إننا قد عرفنا هويته أخيرًا!
كتب المحقق/ حمدي إسماعيل يقول: إنَّ الماء ما زال جاريًا في النهر، وقد دخلت الثعالب الجحور، والنساء جلسن بعد طول تعب وإرهاق، وإني الآن أستمع إلى آخر همسات الليل وتسابيح الفجر، هذا ما أردت أن أعرفكم به، ومعذرة لكم بعد هذا الزحف الطويل، والزحف المقدس، وزحف الأفاعي، وزحف السلحفاة.
حمدي إسماعيل "محقق مثالي" عاد إليَّ صفاء ذهني، ووجدت الطريق لقريتي.
والحق أقول لكم: لقد تزوجتُ فتاةً ذاتَ دِين، قضينا شهرًا بمكةَ، لم أنم البارحة من كثرة البكاء؛ لأني أنجبت ولدًا اسمه: (الوليد).