وهم عبر قطار الزمن
كريمة عويسي
تاريخ الإضافة: 2/7/2009 ميلادي - 9/7/1430 هجري
زيارة: 541
كنتُ مسافرةً في الحُلم، كان الليل كابوسًا، أزحتُ السِّتار، ضاع الليل مني، والنهار انتهى، فاستجبتُ للسفر، سفري هذا ليس صعودًا، فالزمن الماضي لم يغادر، هل هذا سفر عبر الزمن؟
رفعت الحجاب، بدا وهو أمامي جالس على قطار الأمل؛ لا بل على قطار الزمن، كل حركاته تدلُّ على ذلك، وهناك حركة كصفحة مفتوحة على الماضي، لا شك أنه رأى الكثير، وعاش حياته بعمق؛ لكن ما شدَّني إليه كلماتُه، كم هي مستقيمة، مقنعة، عذبة! حتى اشتدَّ تعلُّقي بكلماته السحرية.
حين يتكلَّم أقول: لا تتوقف، أكملْ كلامك، فيتوقف في وسط الجملة، أتظاهر بالسعادة واللَّذة، لكنَّ هناك خيطًا من الحزن يُخفي ذلك التألق، كان صوته يضيع لي من بين الآلاف، فأحتار، أين صوته؟ لكن مع مرور الزمن صار صوته يخيم في خيالي، فما يلبث نطق الحرف الأول، لا الهمسة الأولى، تهب عليَّ نسماتُ ذلك الصوت منذ أول العبارات تجذبني إليه تياراتٌ قويَّة، خفية، غريبة، أحيانًا أحس أنها ستدلُّني على الزمن الذي عاشه الناس قبلي ولم أعشه بعدُ، وأحيانًا أخرى أرى من خلال كلمة، صمت، بسمة، نظرة باحثة عن المجهول، أرى المستقبل وأحداثَه السارَّة والمحزنة.
كم أنا سعيدة بالاستماع إليه! فكلُّ زمنٍ يمضي معه لم ينطلق بعد، لكن كم أنا خائفة أن أكون أتوهم، مع أني جِدُّ سعيدة، فهل ترى خوفي من المستقبل هو سبب تغيير مفهوم الزمن، ها قد عدت إلى كلماته، يا ويلتاه! لقد تغيَّرتْ عباراته، نبرة صوته، يا ويلتاه! هذا ما كنت أخشاه! صار ينذرني: لا وجود للمستقبل ولا للحاضر سوى الماضي، لكن الماضي انتهى واندثر، إنه يبعدني عن زمنه الذي كبِرتْ حكايتي معه، وبنيت فيه ساعاتي، ودقائقي، ولحظاتي الجميلة، ها قد محاها دون أن يسألني عنها، وزادني عذابًا، الزمن شاهد عليها، أنا التي لم أخلف وعدًا قط، وها خالفني زمني، والقطار يمضي عبرَ الزمن، وها محطتي اقتربتْ، طلبتُ التوقف، رفض زمني ذلك.
لكن يجب أن أتوقَّف، فشرطه أن أترك بياناتي، رغم خطورة ذلك؛ لكن وافقتُ وغامرت، المهم أن أنزل في محطتي وفي الوقت المناسب، أعطيتُه بياناتي، فأعطاني ورقة لضمان الوصول، لكن اعتبرها بقايا من ذكرى الزمن، المهم نظرتُ إلى الورقة، مكتوب عليها: القطارُ هو التجرِبة، الركَّاب هم الضحايا، الأجْرة هي العمر، السائق هو القَدَر، الزمن هو الوهم، والمحطة هي النهاية.