مقصود الاعتكاف وحقيقته
رضا جمال
مقالات ذات صلة
تاريخ الإضافة:
15/9/2009 ميلادي - 25/9/1430 هجري
زيارة: 912
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخَلْق أجمعين؛ محمد بن عبدالله، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد:
فقد أظلتْنا أيامُ وليالي الاعتكاف، وما أدراكم ما الاعتكاف؟!
إذا جاء الاعتكاف حنَّتِ النفوس المؤمنة، واشتاقتْ لسالِف عهدها مع الأُنسِ والخلوة بربِّها، جاءَ وقتُ الدخول في غُرْفة العناية الإيمانيَّة المركَّزة، يستنشق المؤمن عبيرَ الإيمان في هذه الأجواء الروحانية، ويتزوَّد المؤمنُ منها؛ لتكون عونًا له على مكابدة الحياة الدنيا في أمواج بحرِها المتلاطم.
حَقًّا حَقًّا حَقًّا حَقًّا صِدْقًا صِدْقًا صِدْقًا صِدْقًا
إِنَّ الدُّنيَا قَدْ غَرَّتْنَا وَاسْتَهْوَتْنَا وَاسْتَلْهَتْنَا
يَا ابْنَ الدُّنيَا مَهْلاً مَهْلاً زِنْ مَا يَأْتِي وَزْنًا وَزْنًا |
جاءتْ هذه الأيَّام والليالي المباركات؛ لنستريحَ من عناء الدنيا ولأوائها، ونُقبِل على الله العفوِّ الكريم، نتحرَّى ليلةَ القدر، ونطلب العفوَ منه - سبحانه.
وقاصمة الظهر:
أن يُدرِك أناسٌ هذه الأوقات، ويمنَّ الله - تعالى - عليهم بالاعتكاف، ولكن لا يُحصِّلون مقصودَه، ولا يذوقون لذَّتَه، ويخرجون منه كما دخلوا، بل أسوأ ممَّا دخلوا - ولا حولَ ولا قوَّة إلاَّ بالله.
والعاصمة من هذه القاصمة:
فَهْمُ حقيقةِ الاعتكاف ورُوحِه ومقصودِه، والاجتهاد في تحصيله، وقد وقفتُ على كلام حَسَن في هذا الشأن لطبِيبَين من أطباء القلوب، وعالِمَين من علماء الشريعة الأجلاء؛ هما الإمام شمس الدِّين ابن القيم، والإمام زين الدِّين ابن رجب الحنبلي - رحمهما الله تعالى – أحببتُ أن أنقُلَه مُذكِّرًا نفسي وإخواني، بهَدْي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الاعتكاف، وكيفية تحصيل مقصودِه ورُوحِه، وحاثًّا على الاجتهاد في تحصيل هذا الخير العظيم، عسى أن يتدارَكنا الله بعفوه ورحمته.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
" كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعتكِف العشرَ الأواخر من رمضان، حتى توفَّاه الله - عَزَّ وجَلَّ - وتَرَكه مرة، فقضاه في شوَّال، واعتكف مرة في العشر الأول، ثم الأوسط، ثم العشر الأخير، يلتمس ليلةَ القدر، ثم تبيَّن له أنَّها في العشر الأخير، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه - عَزَّ وجَلَّ - وكان يأمر بخباءٍ فيُضرب له في المسجد يخلُو فيه بربه - عَزَّ وجَلَّ.
وكان إذا أراد الاعتكافَ صلَّى الفجر، ثم دخلَه، فأمَر به مرة، فَضُرِب فأمر أزواجه بأخبيتِهنَّ، فضُرِبت، فلمَّا صلَّى الفجر، نظر فرأى تلك الأخبية، فأمَر بخبائه فَقُوِّضَ، وتَرَك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأُوَل من شوَّال.
وكان يعتكِفُ كلَّ سنة عشرةَ أيَّام، فلمَّا كان في العام الذي قُبِض فيه اعتكف عشرين يومًا، وكان يعارضه جبريل بالقرآن كلِّ سَنةٍ مرة، فلمَّا كان ذلك العام عارضة به مرَّتين، وكان يَعْرِضُ عليه القرآن أيضًا في كلِّ سَنة مرة، فعرض عليه تلك السنة مرَتَّين.
وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا اعتكف، دخل قُبَّته وحدَه، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلاَّ لحاجة الإنسان، وكان يُخْرِجُ رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجِّله، وتغسله وهو في المسجد وهي حائض، وكانَتْ بعضُ أزواجه تزورُه وهو معتكِفٌ، فإذَا قامت تذهبُ، قامَ معها يَقْلِبُها، وكان ذلك ليلاً، ولم يُباشر امرأة مِن نسائه وهو معتكف لا بِقُبلَةٍ ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طُرِحَ له فراشُه، ووضِع له سريرُه في معتكَفه، وكان إذا خرج لحاجته، مرَّ بالمريض وهو على طريقه، فلا يُعرِّجُ عليه ولا يَسْأَلُ عنه، واعتكف مرة في قبة تُركية، وجعل على سدتها حصيرًا، كل هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف ورُوحه، عكسَ ما يفعلُه الجُهَّالُ من اتِّخاذ المعتكَف موضِعَ عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخْذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون، والله الموفق"؛ "زاد المعاد في هدي خير العباد" (2/88 - 90).
وقال ابن رجب - رحمه الله تعالى -:
"... ففي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله – تعالى - وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعتكف في كلِّ رمضان عشرة أيام، فلمَّا كان العامُ الذي قُبِض فيه اعتكف عشرين.
وإنما كان يعتكف النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذا العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعًا لأشغاله، وتفريغًا لباله، وتخليًا لمناجاة ربِّه وذِكْره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلَّى فيها عن الناس، فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أنَّ المعتكف لا يُستحب له مخالطة الناس، حتى ولا لتعلُّم عِلم، وإقراء قرآن، بل الأفضلُ له الإنفراد بنفسه، والتخلِّي بمناجاة ربه، وذِكْره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنَّما يكون في المساجد لئلاَّ يتركَ به الجُمَع والجماعات، فإنَّ الخلوة القاطعة عن الجُمع والجماعات منهيٌّ عنها، سُئل ابنُ عبَّاس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجُمُعة والجماعة، قال: هو في النار.
فالخلوة المشروعة لهذه الأمَّة هي الاعتكاف في المساجد، خصوصًا في شهر رمضان، خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم – يفعله.
فالمعتكف قدْ حبس نفسَه على طاعة الله، وذِكْره، وقَطَع عن نفسِه كلَّ شاغل يشغله عنه، وعَكَف بقلبه وقالبه على ربه وما يُقرِّبه منه، فما بقي له هَمٌّ سوى الله، وما يُرضيه عنه، كما كان داود الطائي يقول في ليله: همُّك عطَّل عليَّ الهموم، وحالف بيني وبين السُّهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثقَ مني اللذاتِ، وحال بيني وبين الشهوات...
فمعنى الاعتكاف وحقيقته:
قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلمَّا قويت المعرفة بالله، والمحبَّة له، والأنس به أورثتْ صاحبَها الانقطاعَ إلى الله - تعالى - بالكلية على كلِّ حال.
كان بعضُهم لا يزال منفردًا في بيته، خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: ((أنا جليسُ مَن ذَكَرني)).
أَوْحَشَتْنِي خَلَوَاتِي بِكَ مِنْ كُلِّ أَنِيسِي
وَتَفَرَّدْتُ فَـعَايَنْ تُكَ بِالْغَيْبِ جَلِيسِي" |
"لطائف المعارف" (1/ 207).
فاللهمَّ مُنَّ علينا بالاعتكاف، وأعِنَّا على تحقيق مقصودِه ورُوحِه، وارزقْنَا ليلةَ القدر، واعفُ عنَّا، إنك عفوٌّ كريم تحبُّ العفو.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد وآله وصحبه.