المسلمون في ألمانيا.. جهودٌ لتحسين صورة الإسلام
بعدَ أحداثِ سبتمبر 2001م في أمريكا، وخلالَ السنواتِ الماضية، تكالبت بعضُ وسائل الإعلام في أوربا وأمريكا على تشويهِ صورة الإسلام وإظهارهِ بمظهرِ الخطر الداهمِ على أوربا والعالم بأسره، على الرغم من أن كل الدلائل تؤكد أن مسلمي أوربا وأمريكا جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع الغربي والأمريكي، وأنهم لن يكونوا إلا عنصرَ إثراءٍ للمجتمع، يؤدون دوراً هاماً في الحفاظ على الأمن الاجتماعي، ويسعون للتعاون مع الفئات الأخرى للمجتمع، من أجل تحقيق السلم الاجتماعي الذي تعودُ فائدتُه على المجتمع بأسره.
والمسلمون في ألمانيا على رأس من ناله هذا التشويهُ المتعمَّد للإسلام، ولعل ذلك ما دفع عددًا من مسلمي ألمانيا لبذل الجهود الرامية إلى تحسين صورة الإسلام والمسلمين هناك، فقد مرّت مدينةُ هامبورج الألمانية في السنوات الأخيرة، بتجربة جديدة للدفاع عن الإسلام، وتحسينِ صورته، ودفعِ عجلة الاندماج مع المجتمع الألماني للأمام.. وذلك عندما تجمّع نحوُ 40 شابًا وفتاةً من مسلمي ألمانيا، التابعين لمجلس الأقلية المسلمة في مدينة هامبورج -تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما- في (كشك) صغير بميدان (أيدا أيريه) وسط مدينة هامبورج لشرح دينهم وثقافتهم للمهتمين من المارّة، والعمل على مد جسر من التفاهم بين المسيحيين والمسلمين، ووزّع الشباب المسلمون ملصقا دعائيا يحمل عبارة "مسلمون ضد الإرهاب".
وقد علّقت صحيفة "دي تسايت" الألمانية على فكرة (الأكشاك) قائلةً في تقرير لها: "الهدفُ المقصود من الكشك الذي أقامه مجلسُ الأقلية المسلمة في مدينة هامبورج، هو أن يدرك المواطنون في المدينة أن المسلمين ضد الإرهاب، وأنّ كونَ المرءِ مسلمًا لا يعني ذلك أبداً أنه إرهابي".
وأوضحت الصحيفةُ الألمانية أن المارّة الذين دخلوا هذا الكشك لم يشعروا أنَّ لدى الشباب المسلم الذي تحاور معهم "موقفًا متزمتًا"؛ إذ يسمحون للمواطنين الألمان غير المسلمين بعرض آرائهم ومناقشتها.
• ضرورة الحوار والاندماج:
وقد لاقت هذه الفكرة ترحيبا من أهل المدينة الذين قدّموا الدعم المعنوي للشباب المسلمين في هذا الكشك، لأن ما يفعلونه شيء جيد، وجاء الكثيرُ من الألمان ومعهم آراؤهم الخاصة لمناقشتها، ونبّهت الفكرةُ جميعَ أفراد المجتمع المسلم هناك لضرورة التوجه إلى بعضهم، في محاولة لإيجاد وسيلة للتحاور، ليس من خلال (كشك) منصوب في الشارع فقط، بل يجبُ أن يشملَ الحوارُ الحياةَ اليومية في العمل ومع الجيران، فالمرءُ يمكن أن يتحاور في أي مكان مع الآخرين.
وقد سجّل (الكشك) الذي أقيم في هامبورج نجاحًا واضحًا في شوارع المدينة، الأمر الذي ظهر في تصريحات الكثير من سكان المدينة، الذين أكّدوا أنهم عرفوا الكثير عن الإسلام من خلاله.
وروّج المسلمون من خلال هذا (الكشك) لورقة المبادئ التي وقّعها مجلسُ الأقلية المسلمة في مدينة هامبورج مع المؤسسات الإسلامية الأخرى في مسجد "خيرت" بمدينة هامبورج، حول الاندماج وعلاقة المسلمين مع الدولة والمجتمع في ألمانيا. ومن بين هذه المبادئ -التي جاءت في الورقة التي حملت عنوان "المسلمون في مجتمع متعدد" ووقعت في إبريل 2004- أن "العدل بالنسبة للمسلمين هو المعيارُ الأساسي للنظامين الاجتماعي والاقتصادي، وهو يهدف إلى إتاحة حياة كريمة للإنسان، كما أن الرجل والمرأة سواسية أمام الله والقانون الذي يحمي الأفراد وكذلك المجموعات الاجتماعية المختلفة".
وتطالب ورقةُ المبادئ كذلك السلطاتِ الألمانية بالسماح ببناء المساجد وملحقاتها التي تضم نشاطات اجتماعية في المناطق التي يكثر فيها المسلمون، ومنع أي لون من التمييز القائم على اختلافات دينية، وأن يكون للنساء الحق في ارتداء الزي الإسلامي سواء في أماكن العمل أو الأماكن العامة.
• الوجودُ الإسلامي في ألمانيا:
يعيشُ أكثر من 3.3 مليون مسلم في ألمانيا، طبقا لآخر التقديرات الرسمية، ومعظمُهم من ذوى الأصول التركية، والآخرون من العراق والسعودية ومصر ونيجيريا، ومن دول آسيوية؛ مثل الهند وباكستان وسنغافوره وماليزيا، بدأوا في الوصول إلى البلاد لملء الفجوات في أسواق العمل في ألمانيا الغربية وبرلين الغربية في الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين.
ففي المدة الممتدة بين عام 1955 وعام 1990م، حَمَلَ ما يربو على عشرين مليون شخص من مختلف دول العالم، حقيبةَ السفر إلى ألمانيا. وكانت ألمانيا قد شعرت بحاجة ماسة في منتصف الستينيات إلى الاستعانة بعدد من العمال الوافدين لسد الثغرة التي نشأت في سوق الأيدي العاملة. وتعاقدت الحكومةُ الألمانية الاتحادية في ذلك الوقت مع حكومات إسبانيا وتركيا ويوغسلافيا السابقة وتونس والمغرب والبرتغال، الأمر الذي تبعه وفودُ جماعات كثيرة من العمال الذين استقروا بعد ذلك مع عائلاتهم، التي توسعت توسعا سريعًا في المدن مثل برلين وفرانكفورت ودوسلدورف وفيسبادن وكولون.
ثم بدأ الألمان أنفسُهم يعرفون الإسلامَ ويُقبلون عليه، فهناك 100 ألف ألماني اعتنقوا الإسلام في الثلاثين عامًا الماضية طبقا لأرقام نشرتها دوائرُ إسلامية هناك.
واليومَ يعيشُ في ألمانيا أكثرُ من 150 ألف مسلم من أصل عربي، ونحو 120 ألف من أصل إيراني، وأكثر من 100 ألف من أصل ألماني. ويصلُ عددُ المسلمين الذين يحملون الجنسية الألمانية إلى 600 ألف، ومعظمُ المسلمين في ألمانيا يعدّون أنفسهم من مواطني هذا المجتمع. ويوجد 2300 مسجد ومدرسة في المدن والبلدات الألمانية.
• دور المستشرقين:
ولم يكن العمالُ الوافدون من مناطق إسلامية السببَ الوحيدَ في معرفة الشعب الألماني لأول مرة بالدين الإسلامي، فقد كان المستشرقون الألمان أولَ من قام بنقل صور في مؤلفاتهم عما شاهدوه وعايشوه في البلدان الإسلامية التي تنقلوا فيها وأمضوا بعض الوقت يتعرفون طبائعَ وتقاليدَ شعوبها.
وفي نهاية السبعينيات ومنتصف التسعينيات نشأت في ألمانيا صورةٌ واضحة عن مجتمعات الأجانب في ألمانيا، ومن بينها المجتمعُ الإسلامي الآخذ في التطور. ويأتي الإسلام في المركز الثالث في ألمانيا بعد الدين المسيحي الكاثولويكي والدين المسيحي الإنجيلي وقبل اليهودية. ويقيم أغلب مسلمي ألمانيا –ومنهم أكثر من مائة ألف مسلم من أصل ألماني- في ولايتي شمال الراين وستفاليا وبرلين. وهناك عشرات الجمعيات والاتحادات والتنظيمات الإسلامية النشيطة في ألمانيا.
• مشكلاتٌ تُواجِه المسلمين:
وموقفُ الدولة الألمانية من المسلمين –كما يؤكد الدكتور نديم إلياس (رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا) - يحددُه الدستورُ الألماني الذي يعترفُ بجميع الأديان، ويضمن حق ممارسة الدين والعقيدة لكل إنسان، ويُمكن الطوائفَ الدينية أن تحصل على مميزات اجتماعية تمكنها من المشاركة في مجالس مراقبة الإعلام، وإنشاء المؤسسات التعليمية، وغير ذلك.. إلا أن المؤسسات الإسلامية في ألمانيا لم تتقدم بطلب للحصول على صفة مؤسسة الحق العام، وهذا لا يحجب عنهم من ناحية الأصل الحقوقَ الأساسية المنصوص عليها في الدستور، ولكنهم يواجهون صعوباتٍ كبيرةً لتحويل هذه الحقوق النظرية إلى واقع عملي، إذ يجدون معوّقاتٍ كثيرةً عند بناء المساجد، ولا يزالون يكافحون منذ سنوات كثيرة لإدخال مادة الدين الإسلامي في المدارس مساواةً بالطوائف الأخرى، وتعاني المرأة المسلمة تضييقًا شديدًا في توظيفها وسائر الحياة الاجتماعية.
كما يعاني مسلمو ألمانيا نوعًا من رفض القبول في المجتمع الألماني لأسباب كثيرة، بعضها معروف والآخر مجهول، برغم أن عددهم زاد في العقود الأربعة الماضية إلى ثلاثين ضعفًا ليبلغ حاليًا أكثر من ثلاثة ملايين مسلم كما ذكرنا. وكما أثيرت قضيةُ الاندماج في غالبية المجتمعات الأوربية تجاه لمسلمي فرنسا أو بريطانيا وغيرها، أثيرت القضيةُ نفسها تجاه مسلمي ألمانيا، فأصبحت قضايا مثلُ الحقوق والمكانة والدور الثقافي ودمج المسلمين، من الموضوعات الاجتماعية والسياسية المهمة في السنوات الأخيرة.
وما زال مسلمو ألمانيا يطمحون إلى الحصول على امتيازات يضمنُها لهم الدستورُ الألماني الذي ينص على حرية العبادة. ففي هذه المرحلة التي تجيء بعد كثير من الإنجازات التي حققها المسلمون بالتعاون مع المسئولين الألمان في الولايات وعلى مستوى عموم الدولة الألمانية، يصرون على انتشار تلقين دروس الإسلام في المدارس الألمانية، وتشير الإحصائياتُ إلى أن نحو 570 ألف طالب وطالبة في المدارس الألمانية محرومون من تلقي دروس عن دينهم الإسلام، الأمر الذي يدفع الاتحادات والجمعيات الإسلامية في ألمانيا إلى توفير الفرصة لهم لتعرّف دينهم، وفي هذا السياق يجري العملُ في ولاية شمال الراين وستفاليا ببرنامج نموذجي ينص على تعليم دروس عن الإسلام باللغة الألمانية في عدد من المدارس من قِبَل معلمين تلقوا تعليمهم في ألمانيا. وإنما يأتي هذا العمل لأن المسئولين في الولايات الألمانية البالغ عددها ست عشرة ولاية، يريدون منع التنظيمات الإسلامية المتطرفة من تحقيق أهدافها في ألمانيا والعمل باستغلال الدين.
وفي الوقت الحالي يجد المسلمون في ألمانيا أنفسَهم أمام عدد من المشكلات؛ منها: أن الدولة لا تعترف بمنظماتهم بصورة مماثلة للكنيسة المسيحية، ومنها أن تنظيماتهم مشتتة متباعدة لا يمثلهم اتحاد واحد كما هو الحال بالنسبة للجالية اليهودية. ويرى وزراءُ الثقافة في الولايات الألمانية من الضروري العثور على طرف يتحد المسلمون عليه لتمثيل مصالحهم في ألمانيا.
وقد دفع هذا الرابطات الإسلامية في ولاية هيسن إلى تشكيل رابطة موحدة تقوم الجهاتُ الألمانية المختصة في هذه الولاية بالنظر في الأمر بهدف الاعتراف بالرابطة الإسلامية.
وتتعرض مدارسُ القرآن في برلين باستمرار لانتقاداتٍ من جهات ألمانية تتهمها بالذهاب إلى أبعد من تحفيظ القرآن والشروع في إقامة شقاق مع المجتمع الألماني.
• جهود مخلصة:
وهناك جهودٌ مخلصة من قيادات العمل الإسلامي في ألمانيا لتحقيق الانتماء للمجتمع الألماني ولأوربا على جميع المستويات، مع الحرص على حمل مسؤولية ربط المسلمين وتوحيدهم في إطارهم الألماني والأوربي من خلال المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا واتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا، وهي المؤسسات التي تسعى بجد لرعاية شؤون المسلمين وتمثيلهم، وتحقيق الرغبة في التأثير الإيجابي، والتعاون الفعال مع نمط الحياة في ألمانيا، من خلال السعي لرفع التحديات في تطوير قدرات أبناء المسلمين، على طريق دمجهم في المجتمع الألماني، وإشراكهم في تحمل المسؤولية، والحفاظ على مكتسباته وبناء مستقبله.
والعزمُ معقودٌ على العمل الدائب من أجل توطين الإسلام الوَسَطي والحضاري كجزء طبيعي متناغم في المجتمع الألماني والأوربي، من خلال الحوار السوي مع جميع الطوائف الدينية ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات السياسية، والاجتهاد في الوقت نفسه لتوطيد أركان العمل المؤسسي الذي يرشد إلى الوعي برسالة الإسلام ويقدمها فكراً وسلوكاً.
• المراجع:
1- كشك هامبورج للدفاع عن الإسلام - جريدة العالم الإسلامي - العدد 1873- 10 يناير 2005م.
2- أوضاع مسلمي أوربا: عام بعد 11 سبتمبر - إسلام أون لاين – 12 سبتمبر 2002م.
3- المسلمون في ألمانيا يتزايدون برغم التحديات - كليف فريمان - ميدل إيست أونلاين.
4- المسلمون في ألمانيا - سمير عواد - الراية القطرية - 20/ 12/2000م.
5- المسلمون في ألمانيا إثراء وليس خطراً - العالم الإسلامي - العدد 1873- 10 يناير 2005م.