رمضانُ والتهديدُ بالاجتياح
رمضانُ والتهديدُ بالاجتياح
فرصةٌ للوحدة وتجاوز مرحلة الاختلاف
إنَّ حالةَ الانقسام داخلَ الساحة الفِلَسطينية، وواقعَ الانفصالِ بين الضفةِ الغربية وقطاع غزة، واقعٌ بات لا يُرضي أحدًا يدَّعي حرصَه على القضية الفلسطينية، فحالةُ الانقسام أضعفت الموقفَ الفلسطيني، كما أنها شجعت الطرفَ الصهيوني بتشديد الحصار وممارسة القمع على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، فكُلَّ يوم نسمعُ عن اجتياحاتٍ ومداهماتٍ واعتقالاتٍ وشهداءَ في جميع مدنِ وقرى الضفة الغربية، وأما في قطاع غزة فالحصارُ مشدد، والدبابات تحتشد على طول الحدود، والدولةُ الحريصة على الشعب الفلسطيني تدعو ليلَ نهار بضرورة العودة إلى الحوار، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، فنائبُ وزير الخارجية الروسي (ألكسندر سلطانوف) دعا خلالَ زيارته للقاهرة إلى الاستئناف الفوري للحوار بين حماس وقيادة السلطة جاعلاً ذلك هو السبيل الوحيد لتجاوز الحالة القائمة، وتعكسُ هذه التصريحاتُ الفهمَ الروسي الدقيق لخلفياتِ وحقيقةِ الأحداث والأوضاع على الساحة الفلسطينية، وتؤكدُ الإدراكَ الروسي المتزايد لأهمية الأخذ بعين الاعتبار لمواقف حركة حماس وعدم إمكانية تجاوزها، وتمثلُ إدانةًَ -وإن كانت غير مباشرة- لمواقف السلطة التي ما زالت تتمسكُ برفض الحوار.
في الوقت نفسه قال وزيرُ الخارجية السعودي الأمير (سعود الفيصل): لا يمكن حلُّ القضية الفلسطينية دون وحدةِ الموقف الفلسطيني طريقِها للنجاح.
في ظل المواقف الداعية إلى الحوار والتفاهم وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، نجدُ العدوَّ الصهيوني يقوم بحشد دباباته على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة في ظل تهديدات صدرت عن قيادات كبيرة من الطرف الصهيوني بضرورة اجتياح قطاع غزة، وفي ظل توقع الكثير من المراقبين والمحليين أنَّ الدولة الصهيونية ستوجّه ضربة قوية لقطاع غزة، فإنه تصبح هناك حاجةٌ ماسة وكبيرة للإسراع بإعادة لم الشمل داخل البيت الفلسطيني وإنهاء حالة الفراق والانقسام، وأننا بحاجة ماسة إلى كل جهد مخلص يُصلح أوضاعَ الشعب الفلسطيني وعلاقاته السياسية والاجتماعية على أساس صون وحماية مشروع التحرر الوطني، في مواجهة مخططات الاحتلال الحاقدة.
في ظل هذه الأوضاع يُهل علينا شهرُ رمضان المبارك، وشعبُنا في أمس الحاجة إلى نفحات رمضان المباركة التي نستلهم منها قيمَ الصبر والثبات والاتحاد في مواجهة الشيطان، نستشعرُ عظمةَ رمضان، شهرِ الجهاد والتضحية، وما تحمله ذكرياتُ رمضان من أمجاد وانتصارات تحققت بفضل الوحدة والترابط، نستذكرُ أمجادَ بدر الكبرى التي صنعها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، نستذكرُ فتحَ مكة وكلَّ انتصارات الإسلام الخالدة.
فما أحوَجَنا في رمضان أن نلبي نداءَ ربنا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وأن نُحيي سنةَ نبينا؛ فنصومَ عن الكلام السيئ والممارسات السيئة، ونكف يدنا عن التطاول والاعتداء على أبناء شعبنا، ونحيا بالعدل والحرية والإخاء، وننبذ الفرقة والانقسام.
شعبُنا بجميع فئاته السياسية مطالَبٌ -أكثرَ من أي وقت مضى- بالتمسك بالوحدة ومقومات الوحدة قولا وعملا، ورفض الانقسام السياسي والجغرافي، والشروع الفوري بتهيئة أجواء المصالحة عبر الكف عن التحريض الإعلامي والمناكفات السياسية، والتفرغ لمواجهة الاحتلال الذي لا يميز بين أبيض وأسود، وأن لا نستقوي بالمحتل؛ لأن الرهان على المحتل رهان خاسر.
قضيتُنا وواقعُنا اليوم بحاجة إلى التلاحم والتعاضد، نحتاج إلى الأيدي التي تبني لا الأيدي التي تهدم، المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، شعبُنا وقضيتنا بحاجة إلى كل عمل مخلص يُصلح لنا أوضاعَنا وعلاقاتنا السياسية والاجتماعية، على أساس الشركة السياسية الحقيقية، وعلى قاعدة صون وحماية مشروعنا الوطني والتفرغ لمواجهة مخططات الاحتلال.
رمضان والتهديد بالاجتياح فرصةٌ للوحدة وتجاوزِ مرحلة الاختلاف والتفرغِ لحل مشاكل شعبنا، فلن يكون هناك كاسب من هذا الواقع إلا المحتل، ولن يكون هناك خاسر إلا شعبنا وقضيتنا ومشروعنا الوطني.