سياسة الصين مع الأقلية الويغورية
لم يكن الانفجاران، اللذان هزَّا الصين قُبَيل بَدء الألعاب الأولمبية في بكين، وأدَّيَا إلى قَتْل عشرين شخصًا، أغلبُهم من رجال الشرطة - ليَمُرَّا مُرورَ الكرام، في ظل تزامُنهما مع حدث عالمي هامٍّ كهذا؛ فقد أدَّى اتِّهام السلطات الصينيَّة جماعاتٍ إسلاميةً بارتكاب هذه الاعتداءات، إلى توجيه أنظار الرأي العام العالمي إلى أقلية (الويغوريين)، التي تكاد تنحصر معرفتها بالمختصين والخبراء فقط.
والحال أنَّ خوف الصينيِّين من حركة انفصال ويغورية يرتبط بالموقع الجغرافي لمنطقة (شينجيانغ)، وتتكون الأقلية الويغورية من مسلمين يتكلمون اللغة التركية، ويتمايَزون ثقافيًّا عن قوميَّة (الهان)، التي تُشكل غالبية سكان الصين، ويَحدُّ منطقة (شينجيانغ) من الغرب كازاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، ومن الجنوب باكستان وأفغانستان، وفي كلِّ هذه البُلدان توجد حركات إسلاميَّة، بعضُها قويٌّ، ومن الممكن لها - حَسَبَ مَخاوف الصينيين - أن تتَّحد مع الويغوريِّين.
وتتهم منظمات حُقوق الإنسان الحكومةَ الصينية بتهميش الويغوريين، وحرمان مناطقهم من الخدمات، وكان يُقيم بعضُ الويغوريين أثناء حُكم "الطالبان" في أفغانستان؛ حيث تذكر السلطات الصينية أنَّ عددهم يبلغ ألفَ شخصٍ، قام الطالبان بتدريبهم، كما أنَّ الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة ألقت القَبْض على ثلاثمائة شخص منهم، ويُعتقَد أن يكون هذا العدد مبالغًا فيه كثيرًا؛ إذ على الأرجح أنَّ كثيرًا من الويغوريين كانوا مجرَّد لاجئين في أفغانستان، حسب رأي بعض الخبراء المُخْتصِّين في هذا الشأن.
وعلى الرغم من أنَّه وقعت في التسعينِيَّات بعضُ الاعتداءات في المنطقة، بَيْدَ أنَّ المسؤول عنها ما يزال مجهولًا حتَّى يوْمِنا هذا؛ ولذلك كانت مشاركة الحكومة الصينيَّة - من دون أي مُشكلة، بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، فيما يُسمَّى بـ "الحرب على الإرهاب" - أمرًا مثيرًا للدهشة؛ إذ إنَّ بكين علَّلت سَبَبَ مُشاركتها في "الحرب على الإرهاب" بأنَّ الصين مهدَّدة بخطر "المتطرِّفين الإسلاميين" مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.
وبذلك استطاعت الحكومة الصينية اصطياد عصفورين بحجر واحد؛ فمن ناحية تحسَّنت العلاقات الصينيَّة مع الولايات المتَّحدة الأمريكية، والتي كانت تعاني من توترات شديدة؛ إذ كانت إدارة الرئيس "جورج بوش" تنظر حتَّى ذلك الحين إلى الصين باعتبارها عدوَّها الحقيقي في التَّنافس على النفوذ العالمي، وليس العالم الإسلامي، ومن ناحية أخرى استطاعت أجهزة ودوائر الأمن الصينيَّة الاستمرار في تنفيذ إجراءاتِها القمعيَّة على حقِّ الويغوريين، من دون أن يَتِمَّ توجيه انتقادات كبيرة لها؛ وعليه فإنَّ وضعَ الويغوريين بات أسوأ من وضع "طالبان"، وفي المقابل لم يكن يَهْتم - حتَّى وقت قريب - أيُّ أحد بالأقليَّة الويغورية.
ومنذ اعتداءات بكين والمنطقة تخضع لإجراءات أمْنِيَّة مُشددة، وفي عام 2002 أدرجت الأمَم المتحدة - بضَغْطٍ أمريكي - حركةَ شرق تركستان الإسلامية (ETIM) على قائمتها الخاصة بالمنظمات الإرهابية، وتتَّهم السلطاتُ الصينية هذه الحركة بالتعاون مع تنظيم القاعدة.
ويعتقد الخبراء الأمنِيُّون أنَّ بعضًا من أبناء الويغوريِّين يمكن أن يكونوا قد انضموا إلى اتحاد الجهاد الإسلامي (IJU)، ويتكوَّن اتحادُ الجهاد الإسلامي بصورة رئيسة من أوزبكيين، كما يُمارس عمله العسكري في منطقة الحدود الأفغانية الباكستانيَّة، وعلى الرَّغم من أنَّ مَقرَّ المؤتمر الويغوري العالمي يقع في ميونيخ؛ فإنَّ خوف خبراء الشؤون الأمنية الألمان من "المتطرِّفين" الويغوريين يبقى ملازمًا لحدوده، وتُصِرُّ السفارة الصينية في برلين منذ فترة طويلة على مطالبة الحكومة الألمانية بإغلاق المؤتمر الويغوري العالمي، محمِّلة هذا المؤتمر المسؤولية عن اعتداءات وقعت في الصين، وما يزال المؤتمر الويغوري العالمي يمارس نشاطه في ألمانيا حتَّى يومنَا هذا بشكل مشروع.
وعلى الرغم من أن الدستور الصيني الذي يعود إلى عام 1955 يكفل للويغوريين الحقَّ في الاستقلال، مثلما لهم الحقُّ في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، إلاَّ أن الويغوريين في المنفى يريدون الاستقلال ويصرون عليه، ولكن يتم حرمانُهم من حقوقهم؛ وهناك احتمالات كبيرة لاستخدام العنف في مقابل ضُغُوطات الحكومَة الصينيَّة المتزايدة.
يمكن أن تكون الاعتداءات قد لفتت انتباه العالم إلى مشكلة الويغوريين، لكن هناك سيناريوهات مستقبليَّة مُحتملة تُرَجح استفحال العنف، واستغلال الظروف الدوليَّة الداعمة والمؤيدة لأي إجراء يَحدُّ من نشاطات الحركات الإسلامية، مهما كان توجُّهها وانتماؤها، وسواء كانت تتبنى العنف أم لا ضِدَّ الأنظمة الرسمية؛ وبالتالي العنف المضاد من قِبَل تلك الجماعات، وهو ما يعني أن الصين سوف تكون مرشحة لدخول دائرة ما يسمى بالإرهاب، وما يُسمَّى بالحرب عليها؛ وتَزايُد الضُّغوطات الدوليَّة على الصين لتحقيقِ تسوية عادلة بخصوص الأقلية الويغورية.