الطلاق (1)
د. محمد جميل غازي
المصدر: كتاب " من مفردات القرآن "
مقالات للكاتب
مقالات ذات صلة
تاريخ الإضافة:
24/9/2008 ميلادي - 23/9/1429 هجري
زيارة: 2160
مهمَّة هَذا البحث:
من مهمَّة هذا البحث أن يحدِّد أسلوب الطلاق في الإسلام، وأن يزيل بعض الغموض عن قضاياه وأحكامه؛ ولذلك استقى معلوماته - أساسًا - من صريح القرآن، وصحيح السنة.
ومن مهمة هذا البحث أن يقول لقارئيه: إن الإسلام حجة على الناس، وليست أفعال الناس بحجة على الإسلام.
وإذا استطاع هذا البحث أن يقرر هذه القضية، وأن يؤكدها بصوت مسموع، فإنه يكون قد نجح في مهمته إلى أبعد حدٍّ؛ ذلك لأن كثيرًا من الناس - وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين - يتهمونَنا في ديننا، ومقدساتنا، ويحتجُّون لدعواهم بأفعال الغوغاء، وسلوك الدهماء، فهم يقولون - جاهلين أو حاقدين -: إن الإسلام أباح الطلاق إباحةً غير مشروطةٍ، وأعطى للرجال حق السيادة المستبدَّة العربيدة على النساء؛ فهم يلهون ويعبثون كيفما يشاؤون.
يقول هذا البحث - على صِغَره وخُفُوت صوته - لهؤلاء الناس: إن الإسلام حجة عليكم، وليست أفعالكم بحجة على الإسلام، هذه آيات القرآن البيِّنات - ما زالت وستظل - محفوظة في السطور والصدور.
وهذه أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أيدينا تهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، اقرؤوها، وادرسوها، فهل فيها ظلم أو إقرار لظلم؟ هل فيها عقوق أو رضا بعقوق؟
ومن مهمة هذا البحث أن يسهم في مكافحة الأمية الدينية؛ إذ إن الأمية الدينية أخطر ما يهدد الحضارة والنظام؛ لأن الرؤوس التي أفسدتها الخزانة لا تقوى على الإعطاء والإبداع والمنح.
إن الأمية الدينية تنبني عليها "أميات" كثيرة: أمية اجتماعية، وأمية عقلية، وأمية خلقية.
ومن مهمَّة هذا البحث أن يتحدث ببساطةٍ واضحةٍ عما يريد؛ بساطة يحتاجها كثيرٌ من الناس، ويبحثُون عنها، ويفتقدونها أحيانًا.
بساطة تنأى عَن التحليل الذي يهتم به الدارسون والباحثون أكثر من سواهم، وليس من أجل هؤلاء يتحدث هذا البحث.
ولن يتعرَّض هذا البحث لتفصيلات قد ينوء بها كاهله، ولن يتحدث عن تفريعات وجزئيات؛ فلذلك مكانه الرحب في كتب الشريعة المطهرة الَّتي عكف عليها رجال فقهاء تعتزُّ بهم الحضارة، ويفخر بهم التاريخ.
كل ما يعني هذا البحث، أن يدل على الحكمة، وأن يحقق الصواب، وأن يشير إلى الطريق.
ومن مهمة هذا البحث أن يردد قولةً قالها ابن عباس - رضي الله عنهما - لسائل سأله عن أمر مستحدث في الطلاق: "إن كان في كتاب الله، فقد بيّن كتاب الله، وإن كان في سنة رسول الله، فقد بيّنت سنة رسول الله، وإن كان من عند أنفسكم، فليست لنا طاقة بكل ما تُحَدِّثون".
وليس من مهمَّة هذا البحث أن يفترض قضايا وهمية، ثم يضيع وقت كاتبه وقارئه في مناقشاتها بأسلوب كمضغ الماء، فلقد التزم هذا البحث بكلمةٍ قالها ابن مسعود - رضي الله عنه - لرجل سأله عن مسألةٍ مفترضةٍ لا وجود لها: "أكان ذلك"؟ فأجاب السائل: لا، فقال ابن مسعود: "إذًا دعه حتى يكون"!
كل ما سيقدمه هذا البحث لقارئه آياتٌ، وأحاديث، وفهمٌ ذكى لبعض أئمتنا - رضوان الله عليهم - في الآيات والأحاديث.
وقد ينجَح هذا البحث الصغير في أن يقول لقارئه في الآخر باسم الإسلام:
إذَا مَحَاسِنيَ اللاَّتي عُرِفْتُ بِها كانَتْ عُيُوبي فَقُلْ لي: كَيْفَ أعْتَذِرُ؟
|
الفصل الأول:
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
1- الميثاق الغليظ:
يحتَرم الإسلام عقدة النكاح، ويجعل لها من الضمانات ما يحميها ويكفل لها البقاء والاستمرار، في غير ما ضررٍ ولا ضرارٍ.
وقد أطلق القرآن الكريم على عقد الزواج من بين العقود لفظَ: "الميثاق الغليظ"؛ يقول الله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21].
وعندما نتأمل قوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ}، نرى المعنى الذي من أجله أصبحت عقدة النكاح من أقوى العقود وآكدِها وأوثقها وأغلظها، فكل واحدٍ من الزوجين قد أفضى بسره إلى صاحبه، وكل واحدٍ من الزوجين قد اطلع من صاحبه على ما لا يطلع عليه حتى أقربُ المقربين إليه.
ألَيْس كل واحدٍ من الزوجين لباسًا لصاحبه: يستره، ويَحمِيه، ويُحصِّنُه؟
يقول الله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187].
والإسلام لا يرضى لأتباعه أن يخيسوا بعهد، أو يغدروا بعقد، ويُعَد في مقدمة العقود والعهود عقدة النكاح؛ فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عقبة بن عامر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أحق الشروط أن يُوَفَّى به ما استحللتم به الفروج)).
2 - لهن مثل الذي عليهن:
ولم يترك الإسلام الأمر بين الزوجين سدًى، تتحكم فيه الأهواء، ويسيرون في حياتهما على غير هدًى؛ إنما حد حدودًا من تَعَدَّاها فقد ظلم نفسه؛ يقول الله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1].
وهذه الحدود التي حدَّها الإسلام فيها حياة الإنسان ونجاته، وأمنه ورشده، وهداه ومصلحته؛ لأن الذي شرعها هو الله العليم بأدواء النفوس، الخبير بأهواء القلوب: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
أما الذين يجادلون في آيات الله وأحكامه، وحدوده وشرائعه، وأوامره ونواهيه بغير سلطان أتاهم؛ إن في صدورهم إلا كبرٌ ما هم ببالغيه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، ويقول: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51، 52].
والقارئ للقرآن الكريم، ولسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجد الحقوق والواجبات، قد وزعت بين الرجل والمرأة بأسلوبٍ عادلٍ حكيمٍ، وبقسطاسٍ مستقيمٍ، تدل عليه الآية الكريمة: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228].
ويقول ابن عباس في تفسيره لهذه الآية: "إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستوفي كل حقي الذي عليها، فتستوفي حقها الذي لها علي"
[1]، وابن عباس هذا هو الذي فسر الدرجة بقوله: "إنها حض للرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق، أي: إن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه".
قال ابن عطية - معقبًا على رأي ابن عباس -: "هذا قول حسن بارع"، وهو قريب من قول الله تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237].
ومن آيات الفضل التي طالب الله الرجل ألا ينساها في معاملته لزوجته، أن يعاشرها بالمعروف.
والقرآن حينما يدعو إلى المعاشرة بالمعروف، فإنما يدعو إليها بأسلوب رحيم لم تعهده البشرية في أطوارها كلها؛ فهو يقول: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يَفرُك
[2] مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقًا، رضِي منها آخر))
[3]، يقول السيوطي في الإكليل عند تفسيره لقوله تعالى: {
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]: "في الآية وجوب المعروف: من توفية المهر، والنفقة، واللين في القول، وترك الضرب، والإغلاظ بلا ذنب، واستدل بعمومها من أوجب لها الخدمة، إذا كانت ممن لا تخدم نفسها".
ثم يقول: "وفي الآية استحبابُ الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس، وفيها دليل على أن الطلاق مكروهٌ".
ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} [البقرة: 228].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))؛ رواه الترمذي عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس، والطبراني عن معاوية.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وما أكرم النساءَ إلى كريمٌ، ولا أهانهن إلا لئيمٌ))؛ رواه ابن عساكر عن علي - رضي الله عنه.
وعن عمر - رضي الله عنه - أنه سمع - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ: ((ألا واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم مَن تكرهون، ولا يأذَن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقُّهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن))؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ويقول الغزالي في الإحياء في "آداب المعاشرة": "الأدب الثاني: حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن، ترحُّمًا عليهن، لقصور عقلهن؛ قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وقال في تعظيم حقهن: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، وقال تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36]، قيل: هي المرأة".
ثم قال: "واعلم أن ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشِها وغضبِها، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد كانت أزواجه تراجعنَه الكلام، وتهجره الواحدة منهنَّ يومًا إلى الليل".
ثم قال: "الثالث: أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة؛ فهي التي تطيب قلوب النساء، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمزح معهن، وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال".
بل إن الإسلام يذهب في تكريم المرأة وإعزازها إلى أبعد من هذا؛ فهذا هو رسول الإسلام - عليه الصلاة والسلام - ينهى الرجل عن تتبع عورات نسائهم، والتماس زلاتهن؛ فقد روى مسلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم.
وأمر - صلى الله عليه وسلم - العائد من السفر، أن يتريَّث في الدخول على أهله، وأن يرسل إليهم رسولاً يعلمهم بأوبته، حتى ((تمتشط الشعثاء))
[4]، وتتجمل للقاء زوجها.
بهذا الأسلوب المهذَّب ربَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - صحابته ففتحوا الدنيا بأخلاقهم، قبل أن يفتحوها بأسيافهم، يقول أبو الدرداء، أحد أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لزوجته: "إذا رأيتِني غضبت فرضِّيني، وإذا رأيتُك غَضْبى رضَّيتك، وإلا لم نصطحب"
[5].
إذا كان الإسلام يوصي الزوج بزوجته خيرًا، فإنه كذلك يوصي الزوجة بزوجها خيرًا، ألم يقل الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} [البقرة: 228].
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يحل لامرأة أن تصوم
[6] وزوجها شاهدٌ إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه))
[7].
وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها - لعنتها الملائكة حتى تصبح)).
وفي السنن وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أيُّما امرأةٍ سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرامٌ عليها رائحة الجنة)).
وفي صحيح ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا صلَّت المرأة خَمسَها، وصامَت شَهرَها، وحصَّنت فرجَها، وأطاعت بعلها، دخلت من أيِّ أبواب الجنة شاءت)).
3 - رعاية الزوجة لبيتها:
والزوجة مسؤولة عن خدمة زوجها وأولادها، ورعاية بيتها؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالأمير راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عن رعيتها، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته))
[8].
وإذا كان الرجل مأمورًا بالسعي والكد، للإنفاق على أسرته، فإن الزوجة مأمورةٌ بخدمة بيتها، وتدبير أموره، وقد حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين علي بن أبي طالب وبين زوجته فاطمة، حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة - خدمة البيت - وحكم على عليٍّ بالخدمة الظاهرة.
والخدمة الباطنة هي العَجْن، والطَّبْخ، والفَرْش، وكَنْس البيت، واستقاء الماء، وما إلى ذلك
[9].
وتقول أسماء بنت أبي بكر: "كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله، وكان له فرس، وكنت أسوسه، وكنت أحش له، وأقوم عليه".
فهذه بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه بنت أبي بكر الخليفة الأول للمسلمين، كانت كل واحدة منهما في خدمة زوجها.
يقول ابن القيم: "إن خدمة المرأة زوجها أمرٌ لا ريب فيه، ولا يصح التفريق بين شريفةٍ ودنيةٍ، وفقيرةٍ وغنيةٍ، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءت أباها - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه الخدمة فلم يشكها))
[10].
4 - القوامة:
ويعطي الإسلام الزوج حق القوامة على زوجته، وهي قوامةٌ لا تعسف فيها ولا اضطهاد، ولا فساد فيها ولا إفساد، بل هي الموافقة للطبيعة وللحق.
وقد علل الله هذا الحق بِعِلَّتَيْن:
العلَّة الأولى: بما فضل الله بعضهم على بعض.
والعلة الثانية: بما أنفقوا من أموالهم.
يقول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، فالرجل: أفضل من المرأة، وأقدر من المرأة، وأكثر تجربة من المرأة، ويستطيع أن يمارس أعمالاً لا تستطيعها المرأة.
والذين يقولون بضرورة المساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء، حتى في الذهاب إلى الحلاق
[11] - يسيؤون إلى المرأة أكثر مما يحسنون؛ لأنهم بهذا يزجون بها في إشكالاتٍ ومتاعب مجهدةٍ ومضنيةٍ.
على أن قضية المساواة بين الرجل والمرأة قضية قديمة أثارتها أم سلمة، ورد عليها الوحي منذ أمدٍ بعيدٍ.
روى الإمام أحمد عن مجاهد: أن أم سلمة - رضي الله عنها - لمَّا قالت: "يا رسول الله، يغزو الرجال، ولا يغزو النساء، وإنما لنا النصف من الميراث" تنزَّل قول الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: 32].
وروى الحاكم مثل هذا - وزاد: ثم أنزل الله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195].
وقال مجاهد: وفي أم سلمة أنزل الله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }[الأحزاب: 35].
وروى الترمذي عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: "ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى للنساء يذكرن بشيء فنزلت: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}.
خيرٌ للمرأة أن تظل امرأةً، وخير للرجل أن يظل رجلاً، وليس في قدرة أحدهما، ولا مِن مصلحته أن يغير واقعه، أو يهرب منه.
يقول بنتام
[12] (1748م – 1832م) -: "إن الذين يريدون المساواة بين الرجل والمرأة إنما نصبوا لها فخًّا".
ويعلق صاحب كتاب "الطلاق في الإسلام"
[13] على هذه العبارة بقوله: "وهو قول عمَلي، يدل على بُعْد نظر، وإلاَّ فكيف يمكن أن تسير السفينة إلى ساحل النجاة، وفيها ربانان، كل واحدٍ منهما يدير الدفة على هَوَاهُ، ولا يرقب الوصول إلى الشاطئ الأمين".
إن القوامة على الأسرة حقٌّ للرجل بما فضَّله الله، وبما أنفَق من ماله، وهي حقٌّ يفرضه النظام والسعادة والأمن الذي تنشده الأسرة وتبتغيه.
5 - الصداق:
وللقَوَامَة تبعاتها، وأعباؤها؛ فالرجل هو الذي يقدم الصداق لزوجته؛ تلبيَةً لقول الله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4].
يقول الأوزاعي: "كانوا يستحسنون ألا يدخل عليها حتى يقدم شيئًا".
ويقول الزهري: "بلغنا - في السنة - أنه لا يدخل بامرأة حتى يقدم نفقة، أو يكسُو كسوة، ذلك مما عمل به المسلمون".
وقد نهى القرآن الكريم الزوج عن الرجوع في شيء مما أعطاه لزوجته، ولو كان ما أعطاه لها قنطارا، وبيَّن أن أخذه بهتان وإثم مبين؛ يقول الله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21].
وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب نفس من المرأة في قوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].
وأشار إلى ذلك بقوله: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24].
كذلك فإن القرآن الكريم يؤكِّد أن الزوج لا يَحلُّ له الرجوع في شيءٍ مما أعطى لزوجته بغير رِضاهَا؛ إلاَّ على سبيل الخلع، إذا خافا ألا يقيما حدود الله فيما بينهما؛ يقول الله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229].
6 - النفقة:
ومن تبعات القوامة وأعبائها أن الرجل هو المسؤول عن الإنفاق على أسرته؛ لقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7].
والإسلام يعطي المرأة التي تعاني من شح زوجها وبخله الحق في أن تأخذ من ماله بدون علمه ما يكفيها وأولادها بالمعروف؛ فقد سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - هند امرأة أبي سفيان، فقالت: إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))
[14].
هذا هو معنى القوامة كما وضحها الإسلام العظيم، وهي - كما رأيتَ وقرأتَ - قوامةٌ لا استبداد فيها ولا استعباد، قوامةٌ لا تعسُّفَ فيها ولا اضطهاد، قوامةٌ تجد في رحابها المرأة كل تكريمٍ وإعزازٍ وإكبارٍ، قوامةٌ أساسها قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((النساء شقائق الرجال))
[15].
7 - الرسول مع زوجاته:
وقبل أن أنهي هذا الفصل، أقدم لقارئيه بعض الأحاديث الصحيحة التي ترشد إلى الأسلوب الذي كان يتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معاملة زوجاته؛ ليكون لنا به قدوةٌ وأسوةٌ:
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إني لأعلم إذا كنتِ عني راضيةً، وإذا كنتِ عليَّ غضبى)) قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: ((أمَّا إذا كنتِ عني راضيةً، فإنك تقولين: لا وربِّ محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم))، قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك
[16].
وعن عائشة رضي الله عنها - قالت: ما غِرْت على أحد من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكثِر ذكرَها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجة، فيقول: ((إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد))
[17].
وعن عائشة رضي الله عنها - قالت: سابقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسبقته، فلبثنا حتى أرهقني اللحم، فسابقني فسبقني، فقال: ((هذه بتلك))
[18].
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزاميرُ الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟! وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا))
[19].
وعن عائشة رضي الله عنها - قالت: كان يومُ عيدٍ، وكان السودان يلعبون فيه بالدرق
[20] والحراب، فإما سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - وإما قال: ((تشتهين تنظرين)) فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: ((دونكم، يا بني أرفدة))
[21]، حتى إذا مللت، قال ((حسبك؟)) قلت: نعم، قال: ((فاذهبي))
[22].
والمتتبع لأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولسيرته العطرة، ولأسلوب معاملته لنسائه - يجد كل إنصافٍ ومودةٍ ورحمةٍ.
أليس هو - صلى الله عليه وسلم - القائل: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم))؟
والقائل: ((ما أكرمهن إلا كريمٌ، ولا أهانهن إلا لئيمٌ)).
والقائل: ((كل شيءٍ يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثًا: رميه عن قوس، وتأديبه لفرسه، وملاعبته أهله؛ فإنهن من الحق))
[23].
صلى الله عليه وسلم.
ــــــــــــــــــــــ
[5] "فقه السنة"، للشيخ سيد سابق 7/ 228.
[6] المقصود صيام النفل لا الفرض.
[8] متفق عليه، ورواه ابن عمر.
[9] "زاد المعاد"، لابن القيم 4/ 61.
[10] "زاد المعاد"، لابن القيم 4/ 61.
[11] يقول الرافعي: "لقد تساوت المرأة مع الرجل في كل شيء حتى في الذهاب إلى الحلاق، لكنها لما ذهبت إلى الحلاق لم يجد لها لحية".
[12] بنتام: هو مؤسس المذهب الاجتماعي على أساس ملاءمة اللذة والألم، وراجع ص53 من كتاب "الطلاق في الإسلام"، لمولانا محمد علي، ترجمة: حبيبة يكن، طبعة بيروت.
[15] رواه أحمد والترمذي وأبو داود.
[18] رواه أحمد وأبو داود.
[20] الدرق: جمعٌ، مفرده: درقةٌ، وهي: الترس إذا كان من جلد ليس فيه خشب.
[21] بنو أرفدة: هو لقب للحبشة.
[23] رواه أحمد وأصحاب السنن.